أصل الطباعة

ابتكرت الطباعة، شأن الورق، في الصين خلال القرن الحادي عشر الميلادي. ومن الصين، انتشرت الطباعة على الحجر، في مرحلة مبكرة، إلى آسيا الوسطى، وبالتحديد في أوساط الأوغور الأتراك. لنجد، بعد ذلك بوقت قصير، أولى المواد المطبوعة في الشرق الأوسط. ولكن لا يزال أمر انتشار تلك التقنية عن طريق البر من آسيا الوسطى، أو عن طريق البحر مباشرة من الصين، لغزاً غامضاً.

لقد تم العثور على تلك المخطوطات العربية المطبوعة على الحجر، والممعنة في القدم، في مدينة الفيوم بمصر. ويقدر عددها جميعاً بحوالي خمسين مخطوطة. وقد جرى شراؤها من قبل النمساوي الأرشيدوق رينر، كجزء من مجموعة كبيرة من البرديات وغيرها من الوثائق، الموجودة حالياً في المكتبة الوطنية بفيينا.

وتختلف المخطوطات اختلافاً كبيراً من حيث الحجم والأسلوب. وبعضها مطبوع بمهارة ودقة، أما البعض الآخر فهو غير متقن إلى حد بعيد. وجميع النصوص دينية، وتتكون إما من آيات من القرآن الكريم أو الأدعية، وعلى الرغم من عدم تأريخ أي منها، إلا أن الخبراء قدروا أن أقدمها يعود للقرن العاشر الميلادي. ومن المحتمل أن أحدثها يرجع للقرن الرابع عشر.

ويظهر أنه من المرجح أنه كان يتم إنجازها للاستخدام بشكل رائج بين أولئك الذين أرادوا حيازة النصوص الدينية لقوتها الروحية، وطرد الأرواح الشريرة، ولكن لم يكن بمقدورهم تحمل كلفة خدمة أو منتجات كاتب.

لقد تم حفظ تلك المخطوطات من الطباعة على الحجر في مصر، وذلك بشكل أساسي بسبب مناخها شديد الجفاف، والموقع الصحراوي الهادئ نسبياً في الفيوم.

ومن الممكن أيضاً أنه قد تم تنفيذ طباعة مماثلة على الحجر في أماكن أخرى من العالم العربي. ومن المعروف أنه قد تمت طباعة الأوراق النقدية باللغتين الصينية والعربية في تبريز الفارسية، وذلك للحكام المغول عام 1294م، وقدم المؤرخ الشهير رشيد الدين فضل الله الهمذاني وصفاً دقيقاً للطباعة الصينية في كتابه عن تاريخ العالم، بعنوان «جامع التواريخ»، وذلك أوائل القرن الرابع عشر.

وبالنسبة إلى العرب في الأندلس، جرى استعمال الطوابع المنقوشة على السلع بالأسواق، وقد وصل بعضها إلينا.

كان إنتاج الكتب، على عكس أجزاء النصوص أو الأدعية، راسخاً في أيدي النساخ الذين شكلوا جزءاً من مؤسسة العلماء الدينية، لتصل الكتب المطبوعة إلى العالم العربي بشكل متأخر.

تولى الأوروبيون ابتكار أول طابعة عربية قابلة للنقل، وطباعة الكتب العربية. ولم يكن ذلك بمثابة عملية سريعة أو سهلة، ويرجع ذلك أولاً لعدم وجود طلب كبير على الكتب العربية في أوروبا. ومع ذلك، كان هنالك رواج بشكل محدود للكتب، ازداد تدريجياً، تبعاً للباحثين الذين أرادوا دراسة اللغة العربية والأدب.

وتمثلت العقبة الأخرى أمام ازدياد الطباعة العربية بطبيعة الكتابة ذات الحروف المتصلة للغة العربية، إذ شكلت اللغة العربية صعوبات جادة في ربطها بين الأحرف المتجاورة.

غير أن المحاولة الأولى لحل تلك المشكلات تمثلت بإنتاج بعض طابعات غير متقنة الصنع، من قبل الطباع الإنجليزي الشهير واينكين دي وورد، في عام 1524. وجرت طباعة أول كتاب عربي (حتى الآن كما هو معروف)، وهو «كتاب الساعات»، قبل ذلك بنحو عشر سنوات في مدينة فانو الإيطالية، إلا أن الكتاب الأخير كان بصورة مماثلة بدائياً للغاية، وغير أنيق. في حين تحول الطباع الفرنسي الجليل روبرت غرانجون، خلال ثمانينات القرن السادس عشر ميلادي، للعربية.

ليصنع طابعة لمطبعتين في روما، وذلك لمطبعة الطباع البندقي دومينيكو بازا، الذي نشر «كتاب البستان في عجائب الأرض والبلدان». ومطبعة سلاميش الصالحي، في عام 1585، ولصحيفة «ميديتشي أورينتال بريس»، التي أسسها فرديناند دي ميديتشي عام 1584.

أسست الحروف المطبعية العربية لروبرت غرانجون معايير جديدة للوضوح والأناقة، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً يمكن القول إن الطباعة العربية قد أقامت نفسها على أساس متين.

قدمت مطبعة ميديتشي، على وجه خاص، بعض الكتب العربية الرائعة، بما في ذلك «الأناجيل الأربعة» في عام 1590، مع نقوش خشبية فخمة، بيد أنتونيو تيمبيستا الشهير، والتي استندت إلى رسومات آلبرخت دورر. ويعتبر مدير مطبعة ميديتشي، جيوفاني باتيستا رايموندي، نفسه، عالماً في اللغة العربية، كما عمل على تحرير ونشر أعمال عامة في قواعد النحو العربية الكلاسيكية، الأمر الذي ساعد على وضع الأسس للدراسات العربية المنهجية في أوروبا.

وبعد إيطاليا، حذت بلدان أوروبية أخرى حذوها في تطوير خطوط جيدة للطابعات العربية، ودور النشر العلمية.

ويرجح في فرنسا أن سافاري دي برف، السفير الفرنسي السابق في القسطنطينية، قد استخدم نماذج من الخطوط التي تم جمعها هناك، لإنتاج مطبعة ممتازة عام 1615، حملت العديد من القواسم المشتركة مع مطبعة صحيفة ميديتشي.

وقامت كل من إنجلترا، وألمانيا، وإسبانيا، والنمسا، والدنمارك، وهولندا، في وقت لاحق، بمساهماتها الخاصة في حقل الكتب العربية المطبوعة، لتنضم إليها روسيا لاحقاً، بمدينة قازان، التي أصبحت مركزاً مهماً لتوفير الكتب للمسلمين في الإمبراطورية الروسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات