الشباب ركيزة المجتمع، فهم نخبة الأجيال، ومعقد الآمال، والشباب الجامعي هم رأس هذه الطليعة، لما يمتلكونه من الكفاءات العلمية الممزوجة بنبض الشباب الطامح.

وما يتحلون به من القوة والنشاط والقدرة على الإنجاز والإبداع، فدورهم كبير في الرقي بأوطانهم ونفع مجتمعاتهم، وبمقدار امتلاك الشعوب للشباب الجامعي المؤهل الواعي وإتاحة الفرص لهم لأداء دورهم المأمول تقوى هذه المجتمعات وتزدهر.

وإن أول خطوة في طريق العطاء الوطني بالنسبة للشباب الجامعي يبدأ من أول يوم لهم في صرح الجامعة، وذلك بأن يضعوا أمامهم أهدافاً سامية، وعلى رأسها اغتنام المرحلة الجامعية على أكمل وجه، والاستفادة الجيدة من المحاضرات، والتفنن في المذاكرة، والاستفادة من الاستراتيجيات الحديثة في التعلم وترتيب المعلومات كالخرائط الذهنية وغيرها، والعزم على التميز والتفوق.

فالمرحلة الجامعية مرحلة ذهبية؛ لأنها مرحلة التخصص والتفرغ للعلم والمعرفة، وقد لا يتاح للإنسان مثل هذا التفرغ في وقت آخر، وبمقدار استثمار الشاب الجامعي لهذه المرحلة يتمكن من العطاء الوطني في ميدانه باقتدار.

وأما الأمر الآخر الذي يعين الشباب الجامعي على العطاء الوطني فأن يعلموا أن التخرج من الجامعة لا يعني انتهاء مرحلة التعلم والتحصيل المعرفي، فعلوم الحياة في تطور مستمر، والتحديات التي تعترض الإنسان مستجدة، والعقول التي تتعلم وتفكر باستمرار هي التي تبدع وتنتج، وتبتكر الحلول الناجحة، والاختراعات النافعة، بل تتوصل إلى قوانين ونظريات عن ظواهر الحياة ومظاهرها تنسخ ما قبلها وتفتح أبواباً جديدة لما بعدها، فأين هو نموذج نيوتن عن الجاذبية والكون اللانهائي ..

والذي استمر أكثر من مائتي عام؟ لقد انهار تحت وطأة نظريات أينشتاين وتفسيراته الجديدة والتي أدت إلى سلسلة من الثورات العلمية الهائلة في مجال الفيزياء والعلوم الكونية والتي أزعجت منكري الخلق، حيث أثبتت أن الكون ليس ثابتاً بل في حركة وتمدد، كما أثبتت حتمية بداية الكون، ونفت القول بقدمه، بل أثبتت نشوء مادته من مفردة لا متناهية في الحجم والكثافة..

حيث لا زمان ولا مكان، أي من لا شيء إطلاقاً، وكان أينشتاين منزعجاً من نتائج نظريته في النسبية العامة التي أثبتت حركة الكون ونفت ثباته، إلا أنه رضخ له بعد اكتشاف هابل توسع الكون..

كما رضخ علماء الفيزياء المعاصرون لذلك بعد توالي الأدلة وتتابعها، رغم اعترافهم بأن النتائج مذهلة تَفُوقُ التصور البشري وتتجاوز قوانين الفيزياء نفسها، فمن يتصور أن هذا الكون الهائل الشاسع العظيم كان مضغوطاً في شيء أصغر من حبة رمل بل أصغر من ذرة بل انبثق من مفردة لا متناهية في الصغر إلى درجة العدم، ومن يتصور تلك الدقة الهائلة في عملية التمدد عند انبثاق الكون، فلو كان معدل التمدد بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير أصغر حتى بجزء واحد من مائة ألف مليون مليون لانهار الكون على نفسه.

ولو كان معدل التمدد غير متساو ولو قليلاً في أحد الاتجاهات لاختل الكون كله، وذلك في ضبط محكم متقن لا مثيل له، كما قرر ذلك أكابر الفيزيائيين المعاصرين في عشرات الكتب والمؤلفات، واليوم يعاني الإلحاد بسبب هذه المعارف الجديدة من مآزق شديدة، رغم تهويلات بعض وسائل الإعلام.

إن التحديات التي تواجه الشباب الجامعي اليوم كبيرة، منها ما يستهدف فكرهم وعقولهم وعقيدتهم، ومنها ما يستهدف هويتهم الوطنية، ومنها ما يستهدف أخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، ولذلك فهم بحاجة إلى التسلح بركائز الإيمان والمعرفة، والتمسك بهويتهم الوطنية وقيم الانتماء لدولتهم وقيادتهم، وتعميق الشعور بالمسؤولية لديهم، بالإضافة إلى حسن الإعداد والتأهيل والاستفادة من الخبرات، وأن يعلموا أن الإسلام يدعوهم بشدة إلى التفكر في الكون والحياة، ولَمَّا نزلت خواتيم سورة آل عمران التي تحث على ذلك قال نبينا عليه السلام:

«لقد نزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها»، فالذي خلق الكون من أصغر الجسيمات إلى أكبر النجوم والمجرات إلى ما لا يعلمه إلا الله هو الذي أنزل الشرع رحمة وهدى، فلا تعارض بين ما أودعه في ملكوته وما أودعه في شرعه، ولا تناقض بين قوانين الحياة الصحيحة وتعاليم الدين القويمة.

إن على الشباب العربي والمسلم أن يوقن أنه ليس أقل شأناً من غيره، وأن يكون واثقاً من نفسه وإمكاناته، والتاريخ شاهد على ذلك، فقد حملت الأمة العربية والإسلامية راية التقدم في عصور سابقة، يقول جورج سارتون - المؤرخ المعروف الذي يوصف بأنه مؤسس تاريخ العلم في أميركا - في كتابه (تاريخ العلم والإنسانية الجديدة):

«علينا أن نذكر أنه من منتصف القرن الثامن وحتى أواخر القرن الحادي عشر كانت الشعوب التي تتكلم العربية ومن امتزج بها من يهود ونصارى تتقدم موكب الإنسانية، وبفضلهم أصبحت اللغة العربية لغة العلم العالمية وحاملة لواء التقدم البشري. وكانت العربية في خلال تلك القرون الأربعة المفتاح وإن شئت المفتاح الوحيد إلى الثقافة التي ملكت ناصية الفكر».

إن دور القيادات العربية والإسلامية كبير في استثمار الشباب الجامعي، والاستفادة من كفاءاتهم وتنميتها، وتشجيعهم وتدعيم الاعتماد عليهم، وإننا ننعم بحمد الله في دولة الإمارات بقيادة رشيدة أولت الشباب الجامعي اهتماما كبيراً، بل جعلت منهم وزراء ليمثلوا قضايا الشباب وطموحاتهم.