الابتكارات والمبتكرون العرب

حاول الإنسان، منذ العصور القديمة، اكتشاف قوة الطبيعة وسر الكون لاستثمارهما لصالحه. وعند توسع نطاق قدرته على البحث، ومضيه ببطء وبعناية، عن طريق التجربة والملاحظة، وباستخدام أدوات كان قد ابتكرها بنفسه، تمكن من ترسيخ مبادئ للعديد من أوجه التقدم العلمي العصري.

وبشكل لا يمكن إنكاره، وضعت الدراسات العلمية والتجارب العلماء العرب في العصور الوسطى في مصاف الباحثين العلميين في العصر الحديث. فبعد اطلاعهم على التراث العلمي لليونان والهند، شرعوا بدورهم في إضافة تقدمهم وتطوراتهم. ونحن نعرف أنهم شيدوا المراصد، وأجروا التجارب في الكيمياء، والفيزياء، والعلوم الأخرى، التي أسهموا بالأفكار والنظريات فيها.

لقد نجح العرب الأوائلَ تاريخياً في إجراء دراسات علمية في مجال البصريات، كما ألفوا العديد من الكتب والرسائل في مجالات الطب، والأحياء، والكيمياء، والهندسة، والفلك، والرياضيات، والعلوم الأخرى، فضلاً عن تطويرهم للمعدات الحربية.

لقد مثلت الحضارة العربية الجسر الذي يربط الحضارة اليونانية والحضارة كما نعرفها اليوم. وبعد انقسام امبراطورية الاسكندر الأكبر بين قادته وجنرالاته، أصبحت الإسكندرية بمصر مدينة ملوك البطالمة، ومركزاً للفنون والعلوم، ومصدر ومنبع الحضارة. كانت مدارسها تشبه الجامعات في الوقت الحالي، التي كانت تخرج باحثين بارزين في مجالات الطب، والفلسفة، وغيرها من العلوم. ومن بين علمائها إقليدس، الذي صاغ مبادئ الهندسة، وبطليموس، عالم الفلك، وأرخميدس، عالم الرياضيات الشهير، وآخرون كُثر.

لقد شق العلماء والفلاسفة طريقهم للإسكندرية خلال تلك الفترة، وهي المدينة التي أصبحت نقطة الوصل الرئيسية بين الحضارة الشرقية والغربية.

ومع انتشار الأديرة داخل سوريا، بدأ الرهبان بترجمة الكتب اليونانية إلى السريانية، وكان من بينها ترجمة مطابقة للأصل لأعمال أرسطو وبطليموس وغيرهما من العلماء البارزين.

وبحلول الوقت الذي اتخذ الأمويون من دمشق مركزاً للخلافة، كانت المدينة مقترنة بالفعل بأولئك العلماء والمترجمين، وخلال تلك الفترة، كان العرب ينشرون جميع قواتهم بهدف إجراء الفتوحات للمدن المهمة، ونشر الإسلام.

وقد اعتبر عباس بن فرناس القرطبي أحد العباقرة العرب الأبرز. إذ لم يكتفِ بالبراعة في مجال البحث العلمي خلال ذلك الوقت، بل انتقل أيضاً للإلمام بمجال جديد كُلياً. إذ كان فيلسوفاً وعالم رياضيات، وعلى معرفة بالكيمياء وعلوم الطبيعة، كما كان عالم فلك من الدرجة الأولى. لقد برع ذلك الأديب الفريد في مجال العلوم الذي تظهر فيه موهبته الحقيقية، حيث كرس نفسه للبحث في مجالات الكيمياء والفلك وعلوم الطبيعة، وتعامل مع كل من الجوانب النظرية والعملية في أعماله، وأصبح معروفاً على نطاق واسع بأعماله في «كافة» العلوم.

ويأتي ابن الرزاز الجزري، والذي كان معروفاً بشكل كبير في مجال الميكانيكا، وقد تم اعتبار كتبه من الكتب العربية الأكثر أهمية في هذا المجال.

ويمكن العثور، حالياً، في مكتبات قصر طوب قابي، ومسجد السليمانية بإسطنبول على عدد من المخطوطات التي دونها ابن الرزاز. وقد جرت ترجمة كتابه «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل» للألمانية والإنجليزية، وطبعت النسخة الإنجليزية في جامعة هارفارد تحت عنوان «أوتوماتا الجزري». وتحوي المخطوطات على عشرة أنواع من الساعات، مع وصفها، فضلاً عن المعدات المستخدمة لضخ المياه من الآبار، وتشغيل النوافير.

وكتب الطبيب الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه «حضارة العرب»، قائلاً: «حاز العرب على معرفة واسعة للغاية في العلوم والميكانيكا، ولقد تبدت مهاراتهم في العلم الأخير عبر أدواتهم التي تم نقلها لنا، ومن خلال وصف تلك الآلات الواردة في مؤلفاتهم».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات