رحالة في مصر

المسافرون الذين وصلوا إلى القاهرة في القرن التاسع عشر ربما هتفوا مثلما فعل ابن بطوطة قبل 500 عام حين قال «انتقلت إلى القاهرة فرأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم»..

وفي القرن التاسع عشر كانت الرحلة إلى القاهرة لاتزال تجربة يمكن القيام بها مرة واحدة في العمر، وبعد الوصول بالسفينة والاستعداد في القاهرة لرحلة صعوداً في النيل على متن «دهبية» بتصريح من الباشا، يسمح للمرء بالسفر، ولكن من دون ضمانة من قطاع الطرق، أو المرض أو أي كارثة أو مغامرة، كان المسافرون في القرن التاسع عشر يخوضون تجربة فريدة من نوعها.

وعلى الرغم من أن «الزائر التقليدي إلى مصر كان يحمل بريطانيا الصغيرة الخاصة به معه حيثما حل، سواء في تقاليده أو في الغذاء الذي يأكله»، حسبما لاحظ مسافر بولندي يدعى ستانسلاف فيزيك عام 1840، فإن الرحالة الأوائل تركوا خلفهم معظم ما كانوا قد اعتادوا عليه، غامرين أنفسهم في عالم القاهرة البديع، مرتدين الملابس الشرقية ومعتمرين العمائم..

وقضوا وقتهم في الشوارع والأسواق التي تعج بالأصوات والروائح والمذاقات غير المألوفة والأشخاص المختلفين. اليوم تجربة القاهرة قد تكون مقتصرة على بعض محال بيع التذكارات التي يختارها المرشدون السياحيون.

اللقاءات الثقافية الثرية بين الشرق والغرب التي اختبرها الرحالة السابقون حلت محلها على وجه التقريب السياحة الجماعية. إلا أن القاهرة لاتزال تجذب الناس الذين تعتبر بالنسبة لهم أكثر من مجرد وجهة للسياحة.

الرحالان الألمانيان ستيفان بيدنغ وسوين والتر اللذان اشتغلا بقطع الحجارة وصلا إلى القاهرة في بداية القرن كمسافرين، وأثار مظهرهما غير التقليدي دهشة البعض حتى في القاهرة التي لم يكن سكانها يندهشون بسهولة.

والملابس التي كانا يرتديانها بعد رحلات طويلة على نحو جلي كانت تناظر مهنتهما، فهي تتألف من سراويل متسعة تتناغم مع الصدريات والقمصان البيضاء ذات الأكمام الطويلة والقبعات ذات القمة السوداء. وحملا القليل من الأمتعة والأدوات. والعمال الرحالة يضربون جذورهم في الجماعات المهنية التي تعود إلى العصور الوسطى.

فرص العمل في مشاريع البناء الكبيرة مثل كاتدرائية القرون الوسطى، كانت حافزاً للمهنيين الرحالة في الحرف ذات الصلة بالبناء. وعقب أن يصبحوا حرفيين كانوا يعملون مقابل أجور إلى أن يصبحوا قادرين على البدء بورش خاصة بهم كمعلمين.

وصل اثنان من الحرفيين الرحالة إلى القاهرة، واتصلا بالسفارة الألمانية لمساعدتهما على الحصول على عمل مناسب، وكانا قد التقيا في ميونخ وقررا التوجه جنوباً لتجنب شتاء ألمانيا. وفعلا الشيء ذاته الذي فعله حرفيون آخرون عام 1842، ذهبا إلى إيطاليا أولاً، ووصلا إلى صقلية، وعندما تدهور الطقس وجدا نفسيهما في سفينة متوجهة إلى تونس.

وخلصا إلى أنهما بما أنهما قاطعا حجارة فيجب عليهما التوجه إلى مصر، الأرض التي كانت أصل العمارة الحجرية. وسرعان ما استهلا العمل في مسجد سام بن نوح في قلب القاهرة التاريخية. ويقع المسجد في الشارع الرئيسي لحي القرون الوسطى في المدينة، وهو موقع مزدحم وصاخب ومليء بالألوان والحيوية.

ويعتبر شيئاً مميزاً، لكنه مألوف أن مثل هذا الحي كان على استعداد للترحيب بهذين الرجلين المختلفين على نحو جلي عن أبنائه. وقد ساهما بمهاراتهما وجهودهما في إعادة بناء المسجد. وعلى الرغم من الاختلافات الثقافية الكبيرة وعوائق اللغة تمت معاملتهما باعتبارهما فردين في المجتمع خلال الوقت الذي أمضياه هناك وعملا خلاله في القاهرة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات