خطاب للخطاب

(١)

الخطاب الذي يقوم بمعالجة الإرهاب هو نفسه يحتاج إلى معالجة!

(٢)

علينا ألا نتحسس إذا أشرنا إلى جذر «داعشي» في ثقافتنا وتاريخنا - القريب أو البعيد - ونناقشه بهدوء دون أن يتحوّل إلى فرصة لتصفية الحسابات بين تيار وتيار آخر. أول خطوة لعلاج «المشكلة» أي مشكلة: هو الاعتراف بوجودها وتحديد مصادرها.

(٣)

علينا أن لا نلجأ إلى الاحتمالات الآمنة، والمقارنات، والتبريرات المريحة، ونقول:

- تعدادنا أكثر من 20 مليون.. والذين أصيبوا بداء «الدعشنة».. كم؟.. عشرة؟.. مئة؟.. ألف؟... هؤلاء لا يمثلوننا!

- لماذا لم يعتنق البقية - الملايين - الفكرة الداعشية؟.. ألم يتخرجوا من المدارس نفسها، ويستمعوا للخطبة نفسها، ويتشكلوا بالثقافة نفسها، ويشربوا التاريخ نفسه، ويعيشوا بالجغرافيا نفسها؟!!

بهذا الشكل، نحن نهرب من السؤال الأهم، لنطرح الأسئلة الآمنة التي توحي لك بأنه لا مشكلة في المشكلة!

وأن (هؤلاء الدواعش) قلة، واستثناء، وأن الخلل فيهم وحدهم.

ولكنهم لم يأتوا من منطقة أو جهة واحدة فقط لأقول: ربما يوجد خلل عظيم في هذه المنطقة.

ولم يأتوا من قبيلة واحدة لأقول: المشكلة في جيناتها.

ولم يأتوا من طبقة واحدة لأقول: ربما هو الفقر والجهل.

كنت أشعر بشيء من الطمأنينة عندما تحدث حادثة مفجعة ويكون بطلها: في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره، ولم يكمل تعليمه، وعُرف عنه تعاطيه للمخدرات.. لحظتها سأجد ألف سبب لما فعله: أحمق/ جاهل/ مريض/ يعيش في غيبوبة... ألف سبب يطمئن إليه عقلي، ويستوعبه.. ولكن، ماذا أفعل عندما يكون «المجرم»: ثلاثينياً، متعلماً - تخرّج في الجامعة، غير مصاب بأي مرض نفسي، ولم يعرف عنه تعاطيه أي نوع من المخدرات؟ وأستثني بعض الخطابات المخدرة!

كيف يستوعب عقلي (وقلبي أيضاً) أن يؤمن شخص مثل هذا بأن «الغدر» و«الخديعة» من صفات المسلم؟.. ويغدر بمن؟.. بأقرب أقاربه؟.. ولماذا؟.. ليبتزه؟.. ليسرق ماله؟... لا.. ليرتكب الجريمة الأكبر التي تهتز منها السماوات والأرض: يقتل نفساً.

لو كان وحده ربما سأقول لنفسي: لتستوعب ما حدث، لعل لوثة عقلية أصابته في تلك اللحظة.. ولكنه لم يكن وحده: كان سادس العصبة المجرمة.. لم يجد من يردعه.. لم تتراخَ أيدي معاونيه.. لم يهتز جفن من يصور المشهد.. لم يتراجع أي واحد منهم أمام مشهد الموت.. موت من؟.. لم يكن غريباً.. كان ابن العم وابن الخالة ورفيق الدم والذكريات المشتركة.

هنا.. أنت أمام مشهد متوحش لا يستوعبه أي عقل، ولا يمكنك تحليله، أو إيجاد أي تبرير له.

هنا، أنت بحاجة إلى جيش من الخبراء، وعلماء النفس والاجتماع، وحكماء، وعلماء ليشرحوا لك ما حدث.. ولن تستوعب!

وسأعود إلى أول سطر.. لأجعله آخر سطر في هذه المقالة:

الخطاب الذي يقوم بمعالجة الإرهاب.. هو نفسه يحتاج إلى معالجة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات