المسعودي.. هيرودوتس العرب

لا نعرف سوى القليل عن المسعودي، الذي يعتبر أكثر المؤرخين العرب جاذبية وطرافة في أعماله، والذي قورن بالمؤرخ الـــيوناني القديم هيرودوتس. ولد المسعودي، وفــــقاً لروايته الخاصة، في بــغداد، وعرف العديد من الكتاب والفقهاء. وبشكل تقريبي، تعتمد جل معرفتنا عنه على ما يخبرنا به هو نفسه في عمله الرئيسي الذي بقي على حاله دون مساس، بعنوان «مـــروج الذهب ومعادن الجوهر».

ولا يكشف المسعودي شيئاً، بصورة مباشرة، عن حياته الخاصة، ووضعه الاجتماعي، ومــــصادر رزقه،.. إلخ. بينما هو أكثر انفتاحاً على المسائل الفكرية، ومن الممكن التعرف على الكثير عن أذواقه، وآرائه، ومــــواقفه، فضلاً عن صداقاته مع غيره من الرجال البارزين في ذلك الوقت، وقبل كل شيء، معــــرفة موقفه تجاه علم التاريخ، والمعرفة بشكل عام.

وعلى نحو غير مقصود، كشفت كتابات المسعودي، وقراءاته، عن جوانب مهمة من شخصيته، فقد خلف كتاب «مروج الذهب» انطباعاً محدداً للغاية عن مؤلفه. فهو قد ارتحل طويلاً في الآفاق، وأوصلته رحلاته إلى معظم أرجاء بلاد فارس، وأرمينيا، وأذربيجان، وأرجاء أخرى من بحر قزوين، وكذلك شبه جزيرة العرب وسوريا ومصر. كما سافر أيضاً لوادي السند، وأجزاء أخرى من الهند. وقيل لنا إنه قد سافر إلى الصين أيضاً.

تعتبر مكانة المسعودي المهنية مجهولة، ولكنه كان غزير الإنتاج باعتباره كاتباً، وقد أورد بنفسه 34 عملاً لم يقدر لها أن تصل إلينا، على الرغم من ظهور شائعات، بشكل دوري، من إحدى المكتبات أو غيرها حول العالم، تفيد بإعادة اكتشاف أجزاء من أعماله.

غير أنه من بين الكتب التي اختفت، يبدو أنه كانت هناك 4 أعمال تاريخية كبرى إضافية، تناول مجلد واحد منها أو اثنان مجالي الجغرافيا والترحال. ولحسن الحظ أن عمله المميز بعنوان «مروج الذهب» قد وصل إلينا.

 ويبدو أن هذا الكتاب قد اكتمل، على الأقل في صيغته الأولى بحلول عام 947م، ولكن عمد المسعودي لتنقيحه مراراً وتكراراً حتى وفاته. ويجمع الكتاب بين اثنين من اهتـــمامات المسعودي، ألا وهما علما التاريخ والجغرافيا.

ويغطي العمل بالطرق التقليدية المنتمية إلى العصور الوسطى تاريخ العالم منذ بدء الخليقة حتى الوقت الحاضر (بمعنى القرن العاشر الذي عاش فيه المؤلف) مع مجموعة كبيرة من القصص والطرائف المستمدة من علماء آخرين، أو من تجربته الخاصة.

أما القسم الجغرافي، الذي هو من بين أكثر الأقسام إثارة للاهتمام، فيعتبر بشكل أساسي وصفاً لرحلاته. وكانت استفساراته للمسافرين، وقراءاته واسعة النطاق للكتاب السابقين واضحة في حالة الهند، مع تجاربه الشخصية في الجزء الغربي من شبه القارة الهندية.

وأظهر المسعودي فهماً عميقاً للتغير التاريخي. ولاحظ أهمية العلاقات بين الولايات، والتفاعل بين المسلمين والهندوس في الدول المختلفة في شبه القارة الهندية.

من خلال قراءة كتاب «مروج الذهب» بأكمله، تتكشف شخصية المسعودي بوضوح أكبر. فإلى جانب رغبته الشديدة في التعلم، يمثل التسامح الجانب الأكثر إثارة للدهشة في شخصيته.

كان ذكاء المسعودي وعدم تحيزه يمكن أن يكون ملفتاً للنظر بصورة دائمة، مع وجود أكثر من ذلك في رجل قيل لنا إنه كان ورعاً للغاية. ومن الجوانب الأخرى في شخصية المسعودي التي تم الكشف عنها ابتعاده عن القسوة.

لدى المسعودي حس جيد بالفكاهة، كما كان، بشكل واضح، راوياً من الطراز الأول، فقد تمت إعادة إشباع كتاب «مروج الذهب» بقصص جيـــدة. ناهيـــك عن أن موقفه من الأبحاث، ومن كتاباته كان بمثـــابة موقف جاد على نحو كثير.

فقد كان المسعودي، كما يقول مراراً وتكراراً، دقيقاً للـــغاية فيما يتعـــــلق بنـــقل الاقتباسات من المراجع، وكان كثيراً ما يقيد تلك البيانات بالقول إنه قد تم إخباره بكذا وكذا، ولكن ليــست هناك وسيلة للتحقق من صحة الأمر.

وفي حالة كتاباته الجغرافية، بذل قصارى جهده للذهاب ورؤية المناطق شخصياً، وكان في الواقع رحالاً على نطاق واسع.

لا يعرف الكثير عن كيفية إعالة المسعودي لنفسه خلال تلك الرحلات واسعة النطاق، داخل العالم الإسلامي وخارجه. وفي باريس، نشرت الجمعية الآسيوية الفرنسية ترجمة فرنسية كاملة لرائعته «مروج الذهب»، إلى جانب النص العربي، وذلك في تسعة مجلدات بين عامي 1861 و1877.

وكما قيل لنا، توفي المسعودي في القاهرة في سبتمبر 956م.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات