في بادرة فريدة بكل المقاييس أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، عن استحداث منصب جديد في الحكومة تحت مسمى «وزير الدولة للسعادة»، مهمَّته الأساسية مواءمة كافة خطط الدولة وبرامجها وسياساتها لتحقيق سعادة المجتمع..

وذلك ضمن أكبر عملية تغييرات هيكلية في تاريخ حكومة دولة الإمارات اعتمدها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،حفظه الله، وهي بادرة متميزة من كل الوجوه، تجسد مظهراً من أرقى اللمحات الحضارية، فالسعادة من أعظم الغايات المطلوبة، والمقاصد المنشودة، التي ينشدها الإنسان عبر التاريخ، وهي مطلب جميع العقلاء، ومحط اهتمام العلماء والحكماء والأدباء والخبراء..

وموضع نظر القادة النجباء، وآمال الجماهير في مختلف الأرجاء، والحكومة المتميزة هي التي تسعى لتحقيق السعادة لشعبها، وتضع الخطط والبرامج الناجحة التي تحقق ذلك، وقد ضربت قيادتنا الرشيدة أروع الأمثلة في هذا الباب للقاصي والداني، بجهودها وإنجازاتها المشهودة في هذا المضمار أولًا، وباستحداث منصب وزير السعادة التي زادت هذه الجهود رونقاً وبهاء ثانياً.

وينطلق استحداث هذا المنصب من روح الإسلام وتعاليمه الراقية، فقد جاء الإسلام لجلب السعادة، ودفع التعاسة، وإقامة الحياة الطيبة، قال تعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}، أي: ما أنزلنا القرآن لتتعنَّى وتتعب، بل لتهنأ وتسعد، والسعادة مطلب الأنبياء، قال نبي الله موسى داعياً ربه: {قال رب اشرح لي صدري} وامتن الله بها على خاتم الأنبياء فقال:

{ألم نشرح لك صدرك}، فتعاليم الإسلام جاءت لترسيخ مقومات السعادة الروحية والمادية، ودفع ما يخل بذلك من أسباب التعاسة والكآبة والهموم والغموم والأحزان والضغوط والمشكلات، وكان الصحابة ينشدون السعادة ويسألون عنها، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يسأل قائلاً: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟

قال بعض العلماء: «فيه دليل على طلب السعادة، والاهتمام بها، والعمل على أسبابها»، وهكذا أيضاً على مستوى المتطلبات الدنيوية، فقد جاء في الحديث: «أربع من السعادة: المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء» وفي لفظ:

«والدار تكون واسعة كثيرة المرافق»، وفي الحديث الآخر: «من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»، فدلت هذه الأحاديث على أن توفر المتطلبات الدنيوية للإنسان من أسباب سعادته، فالإسلام ينظر إلى الإنسان باعتباره جسداً وروحاً، وفرداً ومجتمعاً، وجماعة ودولة، وحاكماً ومحكوماً، ودولاً وشعوباً، ويعتبر مقومات السعادة هي ذلك المزيج الذي يحقق التوازن والسمو في هذه الأمور كلها، فمن ارتقى في بنائه الروحي، فكانت صلته موصولة بخالقه كما يحب ويرضى، ووهبه الله قيادة رشيدة ومجتمعاً مترابطاً متكافلاً وأسرة هانئة ورزقاً وافراً وخدمات راقية وعلاقات جيدة فقد حاز السعادة في الدنيا من أقطارها.

كما جاءت النصوص الشرعية في فضل من أدخل السعادة والسرور على الآخرين، ففي الحديث: «أحب الناس إلى الله أنفعهم, وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم»، وفي الحديث أيضا:

«إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، فإذا كان آحاد الناس يؤجرون على إدخال السعادة إلى نفوس بعضهم البعض، ويؤجرون إذا يسَّر بعضهم لبعض سبل الحاجات؛ فإن أجر الحاكم مضاعف أضعافاً كثيرة وهو يدخل السعادة في نفوس آلاف من عباد الله، ويوفر الخدمات لهم في مختلف مناحي الحياة، بل يستحدث المناصب ويضع الآليات لتحقيق السعادة والرفاهية للناس..

وقد بين الفقهاء أن مسؤولية الحاكم هي تحقيق مصالح الدين والدنيا، فكلما سعى القائد في تحقيق وتكميل هذه المصالح، وأعد أفضل الخطط والبرامج لها، وانتقى أفضل من يقومون بترجمة ذلك من الوزراء والعاملين، في مختلف الميادين والمجالات، من صحة وتعليم واقتصاد وتنمية مستدامة وأمن ورفاهية وخدمات اجتماعية وثقافية ودينية وغير ذلك؛ كان أعلى مقاماً وأرفع منزلة عند الله وعند الناس.

وقد تابعت كغيري كثيراً من ردود الأفعال الإيجابية حول القرار المتميز باستحداث منصب وزير السعادة، ورأيت ترحيباً واستحساناً منقطع النظير عربياً وعالمياً، بل وجدت انبهاراً بذلك في الداخل والخارج..

كما وجدت بعض التساؤلات المطروحة، فهناك من يتساءل: ماذا يمكن للوزير أن يفعل والسعادة شيء داخلي لا يمكن قياسه، والجواب أن الأمر ليس كذلك، فالسعادة - أولاً - لا تنبع من العدم، بل هو نتاج طبيعي لأسباب ومقومات حقيقية، فمتى توفرت هذه الأسباب والمقومات وكملت وناسبت احتياجات الناس ولامست واقعهم وتطلعاتهم ارتفعت مؤشرات السعادة وكملت..

وتحقيق ذلك وتكميله يتطلب جهوداً وخططاً وبرامج، كما أن قياس حالات الرضا له أساليب وطرق شتى لا تخفى على المهتمين، وهناك من يتساءل عن مجالات السعادة متوهماً أن السعادة تنحصر في الجانب الروحي فقط، والسعادة في الحقيقة أوسع من ذلك، فهي نتاج تكميل مصالح الجسد والروح، وإعطاء كل شيء حقه، ومجالات ذلك متعددة ومتنوعة كما أشرنا.

وأخيراً فإننا نتوجه بالشكر الجزيل لقيادتنا الرشيدة على جهودها المتواصلة والمتميزة والفريدة في تحقيق السعادة للمجتمع، سائلين المولى أن يجعلها ذخراً لنا، وأن يديم على دولتنا الأبية كل خير وهناء وسعادة.