لمحات من تاريخ غرناطة

فُتن المؤرخون دائماً بآخر مملكة إسلامية في أوروبا الغربية، وهي مملكة بني نصر في غرناطة، وألهمت الاهتمام الأوروبي بالشرق، منذ الفترة الرومانتيكية.

وقد اتسمت المملكة دوماً بموقفها الدفاعي واضطرارها للنضال من أجل استمرار وجودها، وتماسكت، بنجاح، لمدة 250 سنة، فأصبحت آخر معقل للثقافة الأندلسية العربية المتطورة، رغم عمليات الاقتتال الداخلي، والهجمات المختلفة من العالم الخارجي.

لقد استفادت عائلة بني نصر، التي لم يحظ أمراؤها بأهمية تذكر حتى هذا الوقت، من سقوط الموحدين في إسبانيا بعد عام 1229م، وذلك حينما شرعت سلسلة من الحكام والولاة المحليين، مجدداً، في تأسيس ممالك صغيرة، عاشت فترات قصير للغاية.

وكان من بين أولئك الحكام السلطان محمد بن نصر، من أرجونة بمقاطعة جيان. ففي 18 أبريل عام 1232م، أعلن نفسه سلطاناً لأرجونة، ليعمد بذلك لتوسيع نطاق حكمه، بصورة سريعة، ليشمل جيان، ووادي آش، وباثا.

وفي شهر مايو من عام 1237م، حكم غرناطة وجعلها عاصمة لمملكته. وعبر سياسة تحالفات بارعة من الناحية التكتيكية، مع المملكة المسيحية والمرينيين في المغرب، مدد محمد الأول مملكتهن مجبراً بعض المدن على الاستسلام له، ومخضعاً مدناً أخرى بالقوة.

وقَبِل بسيادة الملك فرناندو الثالث، ملك قشتالة، وقدم له فروض الطاعة، كما عاونه كتابع له، في الاستيلاء على إشبيلية عام 1248م. وبينما كان لا يزال على عرشه، عين السلطان محمد الأول أبناءه خلفاء له، وذلك لضمان استمرار وجود مملكته في مواجهة هجمات المسيحيين.

وفي الوقت الذي توفي محمد بن نصر في يناير 1273م، كان قد تخلص من أعدائه وخصومه داخل المملكة، واضعاً النبلاء الثائرين تحت سيطرته. وفي ظل حكم محمد الثاني، الابن الأكبر لمؤسس المملكة، تم توطيد السلطة والحكومة بشكل أكبر في غرناطة.

إذ عمل محمد الثاني أولاً على إنهاء سياسة التحالف مع المسيحيين، ليدخل بعدها في اتفاق مع المرينيين، (بنو مرين)، في المغرب، الذين كانت لهم أيضاً قواعد في الأندلس، وحكموا بشكل مشترك في مدن عدة بجنوب إسبانيا.

وكان هدفه توحيد جميع المسلمين في إسبانيا وشمال أفريقيا في معركة لتحرير الأندلس. غير أن ذلك التحالف مع بني مرين انهار، أثناء القتال من أجل مدينة ملقا، التي تمت إعادتها لبني نصر في 1279م، عقب حصار طويل.

جوبه السلطان محمد الثاني بتحالف كبير بين المرينيين والملوك المسيحيين، ولكنه تمكن من التصدي له من خلال الاستغلال بشكل حاذق للخلافات الداخلية بين أعدائه. وبعد عام 1290م، أوجد تحالفاً مع الممالك المسيحية ضد المرينيين. وبشكل ناجح، ساهم الملك المسيحي ألفونسو الحادي عشر في إخراج بني مرين من الساحل الجنوبي، مجبراً إياهم على التخلي عن قواعدهم في إسبانيا.

وشأن والده، كان محمد الثاني سياسياً بارعاً، فدخل في تحالفات مختلفة، لتعزيز مملكة غرناطة. لقد كان ناجحاً بفكره، على عكس ابنه غير الكفء من الناحية السياسية، وهو محمد الثالث (1302 -1309)، حيث تم فقدان جميع إنجازات والده.

وفي 1304م، احتل محمد الثالث وقواته ميناء سبتة المغربي، الذي استخدمه المرينيون كنقطة انطلاق لإسبانيا، وهو السبب الذي حدا بالملك للاستيلاء عليه. لينتهي الأمر بكارثة، لأنه، وبصورة مفاجئة، تمت إحاطة مملكة غرناطة من ثلاث جهات عن طريق تحالف بين المرينيين وأراغون وقشتالة.

أطاح الأخ الأصغر نصر (1309-1314) بمحمد الثالث، ليحل محله، وحاول إنقاذ الموقف بتقديم تنازلات كبيرة لخصومه، ولا سيما بني مرين. كما أوجد خليفته إسماعيل الأول تحالفاً آخر معهم.

وفي 1319م، وبمساعدة وحدات البربر المغاربة، ظفر إسماعيل الأول بنصر مهم في معركة البيرة، المعروفة باسم كارثة وادي غرناطة، والتي أوقفت تقدم المسيحيين، بشكل مؤقت. ومع ذلك، بعد اغتيال السلطان إسماعيل الأول، تم إجبار حكام غرناطة، مجدداً، على اتخاذ موقف دفاعي، وتوجب عليهم قبول خسائر فادحة للأراضي تحت حكم السلطان محمد الرابع (1325 - 1333).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات