متـع الحيـاة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لكل مرحلة من مراحل العمر أنواع من المتعة وإن كان يغلب على المتعة أيام الشباب أن تكون حسية في توجهاتها وأن تكون المتعة عندما يتقدم العمر معنوية في غالبها..

وقد يستطيع البعض أن يزاوج بين الأمرين في كل مراحل الحياة وهذا نوع من التوازن في الشخصية الإنسانية قلما يتحقق.

وقد سألني أحد الأصحاب ما هي أنواع المتعة التي تحس بها الآن، وأطرقت غير قليل ثم قلت له قراءة الشعر وسماع أم كلثوم ورؤية بعض الأحبة ولقاء طلبة قسم الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة القاهرة. هذه هي متعتي في هذه المرحلة من العمر وهي متعة أسأل الله أن يديمها.

ومع ذلك فإن هذه المتع ليست خالصة دائماً وإنما قد يصاحبها في حالات كثيرة أنواع من الألم أو أحاسيس من الشجن وأحياناً غير قليل من الإرهاق.

خذ الشعر مثلاً ـ أنا أقرأ الشعر وأحفظه منذ نعومة الأظفار وأجد في قراءته وفي ترديده متعة لا تعدلها متعة.

وأم كلثوم. وصوت أم كلثوم. هل في الدنيا صوت ممتع ورائق وعميق مثل هذا الصوت. إنني أتخيل أحياناً أن أم كلثوم تتمتع في "الجنة" بقصر لا يعدله إلا قصور الأولياء والأصفياء لأن ملايين الناس في شتى بقاع الأرض وعلى مدار أعوام وأعوام يسمعونها ثم يقولون، رحمها الله. أنا واحد من الناس ما سمعتها إلا وقلت رحمك الله يا ست رحمة واسعة. وأظن أن ملايين غيري يلهجون بنفس الدعاء ولابد أن فيهم واحداً تستجاب دعوته عند ربه.

وقلت لصاحبي الذي سألني وهذه يا صاحبي متعة أخرى في حياتي متجددة، ذلك أني لا أنام كل يوم إلا على صوت أم كلثوم تشدو بواحدة من أغانيها الرائعة.

ورؤية الأحباب يا صاحبي والحديث معهم والسماع إليهم ـ رغم ندرة الأحبة ـ هي أيضاً متعة أي متعة. إنك تحس بأنك موصول بغيرك. إنك تحس بأنك في هذا الكون لست غريباً وأن هناك قلباً كبيراً يحتويك وتحتويه. هل هذا أمر هّين؟ أظن لا.

قال صاحبي ألا تعتقد أنك بكلامك هذا قد أبعدتني وأبعدت نفسك عن حياة الناس وهمومهم. إن هذه الرومانسية الحالمة شيء غريب على عالمنا الذي نعيش فيه. إنني أنصت إليك وكأنني أسمع صوتاً من وراء الغيب.

قلت له معك حق ولننزل معاً إلى الأرض لأحدثك عن متعة أخرى. متعة عقلية غير قليلة. أظنك تعرف ذلك الحوار الذي جرى بيني وبين نفسي عندما اخترت منذ قرابة ستين عاماً أن أدخل كلية الحقوق وأن أعزف عن كلية الآداب. يومها قلت ليكن القانون حرفتي وليكن الأدب هوايتي. ولكن صدقني إذا قلت لك أنني أحب القانون أيضاً. القانون هو مناط النظام في هذا العالم.

القانون هو ضابط الإيقاع الذي لا تخلو منه فرقة موسيقية. والإيمان بسيادة القانون هو معيار لا يخطئ من معايير التحضر والتقدم. ولقائي مع طلبة الدراسات العليا ومناقشتي لبعض رسائل الدكتوراه رغم ما قد يكون فيها من معاناة جسدية إلا أن فيها متعة عقلية أحبها وأجدد بها خلايا المخ أسبوعاً بعد أسبوع.

ألا ترى يا صاحبي أن لكل مرحلة من العمر متعتها لمن يعرف كيف يعيش.

وصمت صاحبي قليلاً ثم قال وهو يبتسم ألم تلاحظ أنك لم تتكلم عن السياسة قط وأنت تعيش حتى أذنيك هذه الأيام في دنيا السياسة.

وكنت أتوقع أن يرد مثل هذا التساؤل، فقلت له يا صاحبي لقد سألتني عن أنواع المتعة ولم تسألني عن أنواع الهم والشقاء. وأنا رجل أحب تحديد المصطلحات ومعاني الكلمات ولعل هذا من أثر الدراسة القانونية.

السياسة عندي يا صاحبي نوع من الإحساس العميق بالمسؤولية تجاه هذا الوطن الذي ندر من يفكر فيه وفي مصيره بصدق وإحساس بالمسؤولية. السياسة يا صاحبي هي أن تحمل هموم الناس فوق رأسك. السياسة يا صاحبي أن تفكر في هذا البلد الذي يبدو أن أغلب المسؤولين عنه أصبح لا يعنيهم إلا أن تكون السياسة مغنماً أو منصباً ونفاقاً لصاحب السلطان.

ألا ترى كيف يزينون الباطل ويتحدثون عنه بحماس وكأنهم صادقون.

ألا تراهم يتجهون إلى الأسوأ في كل شيء ويكادون لا يجدون باباً تطل منه الحرية إلا وأغلقوه لكي يفتحوا الباب لدولة بوليسية لا حرمة فيها لقانون ولا لدستور. دولة بوليسية ستقضي على الأخضر واليابس وتطرد الاستثمارات وتخيف الناس وترعبهم بدل أن تجعلهم يشعرون بالأمان وسوف يأتي يوم يعاني فيه من صنعوا ذلك من سوء صنيعهم ويندمون بعد فوات أوان الندم.

هذه هي السياسة يا صاحبي في العالم الثالث الذي نحن فيه فهل في هذه "السياسة" مجال للحديث عن متعة وقد سألتني عن متع الحياة في هذه المرحلة من العمر.

 

طباعة Email