في الماضي، سعى الإنسان، بشيء من التفاؤل، إلى استجداء المطر واستمطار السحب، ظناً منه أنه قادر على فعل ذلك وفق إرادته ووقتما شاء، أكان بفضل الرقصات الأميركية البدائية أو طقوس صناعة الدُمى في عصر الرومان.
وقد نجح بالفعل في تحقيق ذلك الحلم الذي طالما راوده، إذ تمكن من التخلي عن الطقوس القديمة واستبدالها بعلم استمطار السحب. فهل هذا يعني أننا قد نجحنا حقاً في ترويض الطبيعة، وأتقنا السيطرة عليها؟ أم أن الأمر لا يَعْدو مجرد اقتحام آفاق علمية جديدة؟
بات الأمر واقعاً ملموساً
في صيف 2008، وبشهر يوليو تحديداً، تصَدَّرَ اسم مدينة بكين الصينية عناوين الصحف. كان الجو معتدلاً والعمل يسير كالمعتاد بالنسبة لسكان المدينة البالغ تعدادهم 20 مليون نسمة، ووسائل الإعلام كعادتها تتنافس في تغطية بعض الأحداث الغريبة، وموعد الحفل الافتتاحي للأولمبياد يقترب.
وقبيل انطلاق الأولمبياد، أثناء ذلك الصيف، وقبل انطلاق الحفل الافتتاحي بأربع ساعات، شنّ المسؤولون حرباً ضروساً على عناصر الطبيعة الأساسية، وكان العدو المستهدف «احتمال سقوط أمطار غزيرة»، أما سلاحهم، فكان وابلاً قوامه 1,100 صاروخ محمل بمادة يوديد الفضة.
وكانت الاستراتيجية المتبعة تحديداً، تصفية السماء من الأمطار قبل انطلاق الاحتفالات. وأثمر هذا الهجوم على عناصر الطبيعة عن نجاح ساحق لـ «مكتب بكين لتعديل أحوال الطقس»، وما زال العالم يتذكر حفل افتتاح أولمبياد بكين 2008، الذي مرّ بدون سقوط أي أمطار.
في حين كانت الخدع في بكين واحدة من أكثر الخدع جاذبية، وارتبطت بمشاريع الاستمطار التي زادت من روعتها بشكل كبير، إلا أن هذا العلم يعود تاريخه إلى أكثر من سبعة عقود.
ففي عام 1946، اكتشف الدكتور بيرنارد فونيجت (شقيق الروائي الشهير كورت)، طريقة «يستمطر» بها السحب باستخدام مادة يوديد الفضة، وذلك بنشر ذرات وجزيئات تكثيف تتسبب في هطول الأمطار. إلا أنّ هذه الطريقة لم تنتشر على نطاق واسع إلا بعد عشرين عاماً تقريباً، على يد القوات المسلحة الأميركية في فيتنام.
ولكن، هل من أضرار على البشرية؟
قد يكون من المقبول افتراض أن عملية تغيير حالة الطقس والتحكم فيها، قد غدت متقنة بعد مرور ما يربو على سبعة عقود. فحدوث التقدم والتطور أمرٌ واقع.
وعندما يتعلق الأمر بالعلم والابتكار، نجد أن التطور يسير بخطى متسارعة من دون توقف، إلا أن مجال استمطار السحب بالنسبة للعديد من العلماء والمتخصصين، لم ينل الحظ الوافر من الاهتمام، شأنه في ذلك شأن علوم أخرى، مثل علم المنعكسات والطب البديل.
بَيدَ أنه إذا كان الحُكم والتقدير يعتمدان على القياس الدقيق للعائد الاستثماري من وراء تخصيب السحب بالمواد الكيميائية، فإن هذا العلم ما زال جديراً بأن يحظى بالقسط الوفير من البحث والاهتمام.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، عمل المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل، على تغيير حالة السحب، وحثها على الاستمطار طوال عقد من الزمان. إلا أنه يتعين على الطيارين الذين يعملون وفق بيانات الأقمار الصناعية، استهداف نوعيات معينة من تجمعات السحب المُثقلة بالأمطار الغزيرة.
ما جدوى كل ذلك؟
إن ما يُعيق الإمارات عن إدارة الاستمطار والسيطرة عليها، في ضوء احتياجاتها، هو ذات السبب الذي يمنع الولايات المتحدة من تخصيص الأموال اللازمة لحل الأزمة المتصاعدة للمياه في كاليفورنيا، ألا وهو اختيار الظروف المواتية، المتمثلة في وجود سحب مُثقلة بكميات كبيرة من المطر.
أضف إلى ذلك، تجعل طبيعة الأرض في دولة الإمارات، من الصعب الاحتفاظ بكميات المياه التي تجود بها تلك السحب. وهذا الأمر يطرح علامات استفهام حول الأثر الفعلي للأمطار الصناعية في مساعدة الزراعة المحلية، وزيادة منسوب المياه في سدود الإمارات الجنوبية.
وفي الوقت الذي ما زال الكثيرون يجادلون بشأن الاستمطار، فقد بات الدليل على جدواه واضحاً. وسوف تزداد الاستثمارات في هذا المجال، عندما يثبت بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، من خلال الأبحاث القاطعة، جدوى هذه العملية ومردودها الإيجابي على الاستثمار.
ولهذا، قامت دولة الإمارات بضخ 18.3 مليون درهم (5 ملايين دولار أميركي) لتشجيع العلماء والباحثين في هذا المجال، على إجراء الأبحاث الرائدة لمدة ثلاث سنوات.
اليوم، ومع مرور عام على «برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار»، سيتم الإعلان عن المنح البحثية المقرّر تقديمها لخمس جهات خلال عملية المراجعة والتدقيق المكونة من مرحلتين، بحيث يتم توزيع الأموال المخصصة للبرنامج على مدار ثلاث سنوات.
وفي ظل عدم ثبوت أي أثار سلبية معروفة قد تتعرض لها البيئة من جراء عملية الاستمطار، فقد بات من المؤكد أن تصل الأبحاث لغايتها المنشودة. كما أنه في ضوء الزيادة السكانية على مستوى العالم، ووجود حالة من الغموض بشأن كفاية الموارد المائية، بات الاستمطار ضرورة ملحة، ليس فقط لمنطقة الخليج، بل للعالم بأسره.
المقال بالتعاون مع «خدمة حوار الشرق الأوسط»
* كاتب أميركي