قد تعطي الدعوة للاستغناء عن النفط، والخلوة الحكومية التي ناقشتها خلال اليومين الماضيين، الانطباع للأجيال الشابة من أبناء دولة الإمارات والمقيمين فيها، بأن هذه العملية هي وليدة اليوم، ورد فعل للأزمة القائمة بأسواق النفط، إلا أنها في الواقع عملية مباركة، بدأت منذ منتصف الثمانينيات بعد الانهيار الأول لأسعار النفط، واستمرت لما يقارب من 3 عقود حتى الآن.

وقد تجدد الاهتمام باقتصاد ما بعد النفط في ظل الأزمة السوق النفطية حالياً، ولكي نضع خطة ناجحة للاستغناء عن النفط، أو تقليل آثاره ينبغي إدراك الجوانب التي يساهم بها في حياتنا اليومية، ومدى إمكانية تهميشه على المديين المتوسط والبعيد، نظراً لاستحالة الاستغناء عنه على المدى القصير.

وقبل ذلك لا بد من الإشارة إلى ملاحظتين هامتين:

الأولى: أن نمو وتغيير أنماط وسلوك اقتصاد أي دولة يحتاج إلى وقت، ويتطلب النمو السليم والتغيير الناجع سياسات سليمة وحصيفة.

وكما أن الوسائل غير الصحية، مثل تعاطي المنشطات مثلاً، تدمر الجسم على المدى البعيد، فإن السياسات المتعجلة في الاقتصاد، أو تلك التي تأتي كرد فعل للأزمات، قد تحدث خروقاً يصعب أو يستحيل معالجتها على المدى الطويل، أو تحدث تشوهات ترتفع تكاليف معالجتها فيما بعد.

ويصدق هذا على وجه خاص على الاقتصادات الحرة التي يساهم فيها القطاع الخاص بالدور الأكبر في النمو، فسياسات التنويع ينبغي أن تتم بالانسجام معه، لا بالتغريد في معزل عنه.

الثانية: إن الأجيال الناشئة لا تدرك مقدار التطور الذي شهده اقتصاد الدولة خلال العقود الماضية، ونظراً لأن المقارنة هنا بين الإمارات والدول التي تشكل تاريخياً مراكز الحضارة العربية مثل مصر والعراق وسوريا بائسة وعقيمة، فإن المقارنة الأجدر هي مع دول مجلس التعاون الأخرى بما فيها السعودية.

وبمقارنة سريعة بين الإمارات والسعودية والتي تحتل المركز الأول من حيث حجم النشاط الاقتصادي بالوطن العربي، نلاحظ أن الناتج المحلي للإمارات وبعدد سكان وإنتاج نفطي يبلغ أقل من ثلث السائد بالمملكة، يفوق نصف الناتج المحلي فيها.

أما في مجال تنوع قاعدة الإنتاج فإن المقارنة أكثر وضوحاً، فالقطاع النفطي بالسعودية لا يزال يشكل نصف الناتج المحلي، بينما انخفضت هذه المساهمة في الإمارات لأقل من الثلث. وبينما شكلت الإيرادات النفطية أكثر من 83% من إجمالي إيرادات السعودية خلال السنوات الخمس الماضية، فإنها لا تشكل سوى 60% في الإمارات.

إلا أن النجاح الأكبر لدولة الإمارات يتمثل في تنويع الصادرات، فخلال الفترة بين 2012 و2015 تراجع إجمالي صادرات السعودية (النفطية وغير النفطية) من 388 مليار دولار إلى 236 مليار دولار، مع هبوط حصة النفط من الصادرات من 87% إلى 78%.

وخلال الفترة ذاتها، تراجعت صادرات الإمارات من 360 مليار دولار إلى 339 ملياراً مع هبوط مساهمة النفط فيها من 35% إلى 21%.

هل يمكن لدولة الإمارات الاستغناء عن النفط؟ يساهم النفط في حياتنا الاقتصادية من خلال 3 قنوات: الأولى مساهمته بالناتج المحلي من خلال الأنشطة التي يولدها إنتاجه وتكريره، وباعتباره مدخلاً لبعض الصناعات الكبرى مثل البتروكيماويات.

والثانية من خلال مساهمته بالصادرات، ومن ثم تصحيح التوازن في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، أما الثالثة فتتمثل في مساهمته في المالية العامة وتمويل الإنفاق العام.

وبالرغم من نجاح دولة الإمارات في تقليل مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي وفي الصادرات، إلا أن جبهة المالية العامة لا تزال تحتاج المزيد من الجهد.

فالنفط كان لا يزال يساهم حتى مطلع هذا العقد بنحو 65% من جملة الإيرادات العامة للدولة (الإيرادات المجمعة للحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في كل من أبوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة، وفقا لآخر تقرير لصندوق النقد الدولي 2015)، ونتيجة لانخفاض أسعار النفط فإن هذه المساهمة تدنت إلى 53% عام 2015، وهي لا تزال مرتفعة.

ويرتبط تنويع الصادرات بشكل وثيق بتنويع قاعدة الإنتاج، وبالطبع فإنه ليس جميع سياسات التنويع الاقتصادي ستؤدي بالضرورة لتنويع الصادرات. فإذا كان التنويع يركز على القطاعات التي تخدم الاستهلاك المحلي (الخدمات الاجتماعية وتجارة التجزئة وقطاع السياحة مثلاً)، فإن انعكاسها على الصادرات سيكون محدوداً.

ونظراً لأن نضوب النفط سيترتب عليه الحاجة لوجود قطاعات تولد العملات الصعبة، فإن سياسات التنويع ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار الحاجة لتشجيع قطاعات موجهة للتصدير للعالم الخارجي لتقليل الصدمات وتعزيز إيرادات العملات الأجنبية.

ويتطلب تقليص ومن ثم إلغاء الاعتماد على النفط، العمل على الجبهات الثلاث، ونظراً لأنها جبهات مترابطة، فإن سياسات تقليص الاعتماد على قطاع الهيدروكربونات تتطلب إطاراً موحداً وخطة منسقة، لئلا تؤدي في إحدى الجبهات إلى نتائج سلبية أو عكسية على الجبهات الأخرى.

ومما يزيد الأمور تعقيداً أن الشأن الاقتصادي بالدولة، بما فيه قضايا المالية العامة، تعد وفق الدستور من اختصاصات الإمارات المحلية وليس الحكومة الاتحادية. ومن ثم فإن الوصول إلى نتائج ملموسة يتطلب سياسات على قدر عال من التنسيق، وربما التوحيد بين الإمارات.

برأيي المتواضع، فإن الأولوية لسياسات الاستغناء عن النفط ينبغي أن تركز أولاً على المالية العامة، وأن تضع الحكومات الاتحادية والمحلية خطة خمسية تخفض فيها مساهمة القطاع النفطي في الإيرادات الحكومية لأقل من 20%، على أن يستغنى عنها تماماً خلال 10 سنوات.

وتحقيق هذا ليس بالأمر الهين، حيث إن الإيرادات غير النفطية على المستويين الاتحادي والمحلي، تشكل الرسوم فيها المكون الأكبر. وبالطبع فإن هذه السياسات في حال اتباعها ينبغي ألا تعيق سياسات الإصلاح في المجالات الأخرى التي تقتضي استراتيجيات أكثر شمولاً تستلزم إصلاح سوق العمل والنهوض بالتعليم.