عبقرية الطب الإسلامي

أنجز باحثون غربيون ومسلمون على السواء، الكثير من الأبحاث على مدار القرنين الماضيين، لمعرفة تاريخ الطب الإسلامي بشكل أفضل. وقد باشر الباحثون العاملون في داخل العالم الإسلامي كتابة تواريخ للطب على أساس العمل المبكر الذي أنجزه يوحنا النحوي. وخلال الفترة من القرن الرابع إلى القرن العاشر، ظهرت أعمال تاريخية لفلاسفة وأطباء، مثل الأعمال التاريخية التي أنجزها أبو حيان التوحيدي في بغداد، ابن جلجول والقاضي سعيد الأندلسي في المغرب.

شكلت هذه الأعمال الأسس التي قامت عليها الأعمال الكبرى المنتمية إلى الفترة ما بين القرن السابع والقرن الثالث عشر، التي تشكل ذروة الكتابة عن تاريخ الطب الإسلامي.

وقد ظهر الطب الإسلامي إلى حيز الوجود كنتيجة لاستيعاب التراث الإغريقي الهائل وأعراف الشرق الأدنى وبلاد فارس والهند. وقد اعتبر المسلمون على الصعيد العملي كل فيلسوف إغريقي، بمن في ذلك فيتاغورس وأفلاطون، طبيباً.

كانت أهم المصادر الإغريقية والمنتمية إلى الإسكندرية، متمثلة في المقام الأول في أبقراط وغالينوس، والأول هو اسم مألوف باللغتين العربية والفارسية، وقد أتى على ذكره بالفعل جابر بن حيان، وحظي بالتقدير من أقدم العهود باعتباره أبي الطب اليوناني، وترجمت أعمال عديدة له إلى اللغة العربية منذ بداية حركة الترجمة.

أما فيما يتعلق بغالينوسِ، وهو اسم شهير أيضاً، فإن معظم أعماله قدر لها البقاء باللغة العربية أكثر مما قدر لها باليونانية القديمة. وربطه المسلمون بكل من الفلسفة والطب، حيث إنهم من خلاله تلقوا ملخصات لحوارات أفلاطون وكذلك حوارات مفسري الاسكندرية.

كان الطب الإسلامي محظوظاً بتلقي أعمال أبقراط وغالينوس في ترجمة حنين بن اسحق الذي كان هو نفسه طبيباً متميزاً، وكانت ترجمته لا نظير لها حقاً، وهو مسؤول أكثر من أي مترجم آخر عن الكمال الذي اتسمت به مصطلحات طبية في اللغة العربية. وتحتل ترجمات غالينوس من حيث الكم والكيف على حد سواء، مرتبة فريدة بين مصادر الطب الإسلامي.

كانت الشخصية الأكثر بروزاً في الطب الإسلامي متمثلة في الطبيب الشهير أبي علي ابن سيناء الملقب بأمير الأطباء، وقد ولد قرب بخارى، وتوفي في همدان في عام 428 هجرية 1037 ميلادية.

علـّم أبو علي ابن سينا نفسه الطب وحقق شهرة مدوية باعتباره طبيباً وهو لا يزال في الثانية عشرة من عمره، وحظي بخبرة سريرية كبيرة وتمتع ببصيرة نافذة جعلته الفيلسوف والعالم الإسلامي الأكثر تأثيراً وشهرة. وأصبحت أعماله مراجع سائدة في الشرق والغرب على امتداد القرون اللاحقة، وهي لا تزال مصدراً رئيسياً لممارسي الطب الإسلامي حيثما كانوا.

كان ابن سينا مؤلفاً غزير الإنتاج، فقد ألف 450 كتاباً ومقالاً لا يزال 240 عملاً منها موجودة حتى الآن. ومعظمها يركز على الطب، وأشهر مؤلفاته الطبية هو مصنفه «القانون في الطب» الذي ينظر إليه باعتباره العمل المفرد الأكثر تأثيراً في تاريخ الطب بأسره، وقد ألفه باللغة العربية وترجم لاحقاً إلى الفارسية والتركية واللاتينية والأوردو ولغات أخرى. وكان العمل الأكثر طباعة فيما بين القرنين العاشر والسادس عشر.

أرسى هذا الكتاب المعايير التي يحتذى بها بالنسبة للطب في كل من العالمين الإسلامي والأوروبي، وهو يعد أيضاً الأساس الذي قام عليه شكل تقليدي من أشكال الطب في الهند.

يتألف كتاب «القانون في الطب» من خمسة كتب، وإلى جوار الاستفادة من كل الخبرة والمعرفة الطبية في المصادر الإسلامية وغير الإسلامية المتاحة لابن سينا، فإنه قد قام أيضاً بإضافة العديد من الملاحظات التي تعود إليه شخصياً بما في ذلك اكتشاف التهاب السحايا وطريقة انتشار الأوبئة وغير ذلك كثير.

ألف ابن سينا كذلك العديد من الأعمال التي تتناول موضوعات طبية محددة ومعظمها باللغة العربية، ولكن ربما كان العمل الطبي الآخر من أعماله الأكثر انتشاراً هو «أراجيز طبية» الذي اختصر فيه مبادئ الطب في قالب الأرجوزة لتسهيل حفظ طلاب الطب لهذه المبادئ.

وقد درست أعماله وأنجزت شروحات على هوامشها أجيال عديدة من الأطباء في كل من الشرق والغرب، وهو أمر لا يزال باقياً حتى اليوم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات