مصور الأماكن المقدسة

سافر ضابط شاب يدعى محمد صادق إلى الحجاز، في عامي 1860 و1861، بهدف إجراء مسح عسكري للطرق الصحراوية هناك، بدءاً من الشواطئ الغربية، وصولاً إلى المدينة المنورة. وشمل التصوير الذي قدمه خريطة دقيقة، تطلب رسمها استخدام بوصلة وهيكتومتر «وهي عجلة كجهاز لقياس المسافات»، وخطة لقياس أبعاد المسجد النبوي، وصورتين للمدينة المنورة، وهما أول صورتين تم التقاطهما لها.

لقد شكلت صورتا المدينة المنورة، وإحداهما مشهد بانورامي لها يتوسطه المسجد، أما الصورة الأخرى فهي منظر للمسجد من الداخل، بداية المسار المهني في التصوير الفوتوغرافي الذي جلب التقدير المحلي والدولي لمحمد صادق في عمله.

لم يبق من تلك الصورتين الأقدم للمدينة المنورة سوى لوحة منفذة بالحفر مجهولة المصدر، مأخوذة عنها، عرضت في دار سوثبي للمزادات عام 1998، وكان من المقرر عودة محمد صادق للحجاز في موسمي الحج عام1880- 1881، وعام 1884.

وفي كلتا المناسبتين، سافر صادق بصفته أمين سر المحمل، الذي يحمل الهدايا من مصر إلى البقاع المقدسة، وهو منصب يأتي في المرتبة الثانية من الأهمية بعد أمير الحج، أي قائد رحلة الحج، وفي وصف أسفاره الذي نشر في وقت لاحق في القاهرة، نرصد، على الفور، أسلوبه المغرق في الملاحظة والتدقيق خلال إعداد التقارير.

في كلا الرحلتين، سعى المصور الفوتوغرافي لتحقيق اهتمامات استطلاعية إلى جانب مهامه الرسمية، وتدعيم كتاباته بمزيد من الصور الفوتوغرافية للمواقع المقدسة، وخرائط إضافية للطرق الصحراوية، وتصميم للمسجد النبوي، كما عمل على مسح مناطق من جزيره العرب، لم يصل إليها الرحالة الأوروبيون، من أمثال المستكشف الإنجليزي ريتشارد فرانسيس بيرتون، إلا بعد 17 عاماً. ولد محمد صادق في عام 1832، وشأن الكثيرين تم تجنيده في صفوف الجيش المصري الذي نظمه محمد علي باشا، وابتعث إلى أوروبا، وتحديداً لـ «إيكول بوليتكنيك» بفرنسا.

في وقت لاحق، تأثر بالمصورين الأرمن، الذين استقروا في القاهرة نهاية القرن التاسع عشر، حينها كانت سمعة محمد صادق كمصور، وجغرافي، ومستكشف، تحلق عالياً، وقد تم عرض صوره المبكرة للمدينة المنورة في الجناح المصري بـ «معرض فيلادلفيا» عام 1876. كما تم انتخابه في الجمعية الجغرافية الخديوية بالقاهرة.

عمد محمد صادق لإعداد ملف لصوره التي رصدت المدن المقدسة مع كتابة تعليق، لتتم مكافأته بحصوله على ميدالية ذهبية في المعرض، أما صورته الفوتوغرافية الباقية التي يحتمل أنه قد تم التقاطها في ذلك الوقت، فقد أظهرت وجهاً قوياً مزيناً بشارب مكتمل ومشذب بطريقة عصرية.

بعد ثلاث سنوات، بدأ محمد صادق رحلة أخرى للحج، ومجدداً بصفته أمين صندوق المحمل المصري، واتسمت تلك الرحلة، التي وصل فيها أخيراً إلى الحجاز، بمأساة شخصية عند وفاة زوجته التي قدمت معه من القاهرة، في مكة المكرمة، تحديداً في قسم النساء بالمسجد الحرام، وكانت تلك خسارة بالغة الإيلام، لزوجين دام زواجهما 34 عاماً، وكان محمد صادق مخلصاً لزوجته.

وبعودته أخيراً للقاهرة، بدأ العمل على كتاب مصور عن أسفاره، لينهي مسار حياته العسكرية برتبة لواء، ويصبح رئيس الجمعية الجغرافية الخديوية.

في عام 1902 تم تعيين محمد صادق حاكماً لمدينة العريش، لكن يعتقد أنه قد أمضى شهرين فقط هناك قبل التعرض لضربة شمس. ليعود للقاهرة، وتوافيه المنية في وقت لاحق من العام نفسه عن عمر ناهز السبعين عاماً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات