00
إكسبو 2020 دبي اليوم

عام الحسم بين العروبة وأعدائها

مع مطلع عام ميلادي جديد، يبدو المشهد في عالمنا العربي شديد الارتباك، ويبدو الأمر وكأن كل القوى الداخلية والإقليمية والدولية تدرك جيداً أنها أمام نقطة اختيار بين صدام قد يكون أكبر من كل ما نرى، وبين تهدئة قد تمهد لحلول تنقذ الجميع.

في الكثير من نقاط الصدام، يبدو الأمر وكأنه سباق بين التصعيد العسكري وبين الجهود السياسية والدبلوماسية.. هكذا الأمر في اليمن والعراق وسوريا وليبيا، هذا إذا تجاوزنا الحروب المنسية في دول شقيقة أخرى مثل السودان والصومال.

وفي كل هذه النقاط الساخنة لم يعد الأمر محصوراً داخل دولة أو أخرى.. بل أصبح الكل حاضراً.. بدءاً من القوى الإقليمية، حتى الدول العظمى التي لم تعد تملك رفاهية الجلوس في مقعد المتفرجين بينما النيران تقترب منها، ولا تستطيع أن تواصل مخططاتها التي بدأتها متصورة أنها وحدها في الميدان، فإذا بأحلامها تتحول إلى كوابيس، وأطماعها ترتد عليها.

في الجوار الإقليمي.. نجد تركيا التي كانت تحلم باستعادة السلطنة العثمانية غارقة في مشكلاتها الداخلية وحروبها الأهلية وأزمة المهاجرين من سوريا وكارثة الذاهبين إليها من الإرهابيين الجدد والقدامى. ونجد إيران التي كانت تتصور أن اتفاقها مع أميركا على الملف النووي سوف يعطيها حرية التوسع الإقليمي.

تدرك الآن ـ رغم استمرارها في المحاولات ـ أن أحداً من دول المنطقة أو القوى الخارجية المؤثرة لن يترك لها الساحة خالية، ولن يمكنها من تحقيق أوهامها عن طريق نشر الفتنة الطائفية والحروب المذهبية تمهيداً لرفع أعلامها على عواصم عربية أخرى بعد أن تباهى قادتها برفعها في أربع منها.. كمجرد بداية. ولا شك أن الهجمة على الوطن العربي كانت ولا زالت عاتية.

ولا شك أيضاً أن الأمر كان قد وصل إلى المرحلة التي تشير إلى نجاح هذه المخططات. لكن المفاجأة كانت في بوادر الوعي العربي بحجم الخطر، وفي إرادة التصدي له مهما كانت التكلفة بعد أن أصبحت المعركة معركة حياة أو موت.

ولنتصور الأمر لو استمر حكم الإخوان العميل في مصر. ولو سقط اليمن وأصبح باب المندب خارج السيطرة العربية، وحوصرت دول الخليج العربي والسعودية. وامتد النفوذ الإيراني من الخليج العربي إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا من الشمال، واليمن والبحر الأحمر من الجنوب.

ولنتصور الأمر لو استمر الوضع في ظل غياب عربي كان سائداً لفترة طويلة، وفي ظل خريطة جديدة يتم تنفيذها للمنطقة، وتستخدم فيها القوى الإقليمية غير العربية، والجماعات المتاجرة بالدين الخائنة للأوطان. كان سقوط حكم الإخوان في مصر نقطة فاصلة في الصراع.

وكان أهم ما في هذا السقوط أنه كان فعلاً عربياً تم بإرادة شعب مصر وبالمساندة الهائلة والواعية بحجم الخطر من الإمارات والسعودية وباقي الأشقاء العرب. ثم كان التصدي للمؤامرة على اليمن بالعمل العسكري العربي نقطة حسم، ورسالة للجميع بألا يراهنوا على الغياب العربي بعد الآن. رغم كل ما تحملته الأمة العربية من تدمير ممنهج منذ حرب العراق وحتى الآن.

في المقابل.. اضطرت أميركا للتوقف عن دعم «الإخوان» وانقلبت العسكرية الأميركية على أوباما (كما كشف الصحافي الأميركي الشهير سيمون هيرش) وقدمت المساعدة لروسيا لضرب داعش التي ستكشف الأيام القريبة حتماً هل كان تمددها الرهيب (بعد سقوط الإخوان) صدفة أم جزءاً من تآمر يلعب بأوراقه الأخيرة دون حساب للفواتير التي سيدفعها مقابل لعبته الخطرة!

أيضاً اضطرت دول أوروبا لتغيير موقفها الذي كان يكتفي ـ بعد أن دمر حلف الأطلنطي الدولة في ليبيا ـ بالسير وراء السياسة الأميركية التي حاولت استخدام الإخوان والدواعش. فإذا بهم يتحولون إلى مصدر التهديد ومكمن الخطر لدول أوروبا.

مع بداية العام الجديد يبدو المشهد في المنطقة وكأنه سباق بين صدام أصبح أكبر من أن تتحمل أي قوة كبرى تبعاته. وبين تهدئة تتيح توحيد كل الجهود لضرب إرهاب لم يعد أحد بعيداً عنه.

وكل الشواهد تقول إن الخيار الثاني هو المرجح.. لكن السؤال سيبقى: هل يتم ذلك على حساب العرب أم لمصلحتهم؟! والإجابة لا ينبغي أن ننتظرها من الآخرين.. بل يجب أن نكون جزءاً أساسياً في صنعها. لأن البديل سيكون أن تؤمن الأطراف الدولية مصالحها على حسابنا، وأن تتمدد الأطراف الإقليمية «غير العربية» في أرضنا!!

ما حققناه في العام الماضي كان فاصلاً في تأكيد الحضور العربي. لكنه يحتاج لعمل هائل، في ظروف صعبة، لكي يكتمل. توحد العالم الآن في مواجهة الإرهاب ينبغي أن يكون طريقاً لاستعادة السيادة على كل شبر من الأرض العربية، وكل مساحة مفقودة من الإرادة العربية!! ومن دون ذلك سوف يكون الحل على حسابنا، وسوف يكون الثمن الذي ندفعه غالياً.

ما حققناه حتى الآن هائل، إذ وضعنا أمامنا المخاطر التي كانت تتهددنا، والمصير الذي كنا نساق إليه، لكن علينا أن ندرك أن الخطر لا زال ماثلاً، وأنه لا بديل عن تعاون عربي يتصدى للمخاطر، ويعوض ما فقدناه من قوة عربية بتدمير العراق وسوريا وليبيا، ويدرك جيداً أن «الغياب» العربي هو الذي جعلنا في نهاية الأمر ـ فريسة لإرهاب عميل، ولأطماع إقليمية ودولية، ولتآمر يريد تقسيم أوطاننا من جديد وفقاً لمصالحه.

ويدرك ـ أكثر من أي وقت مضى ـ أن «الحضور» العربي هو الذي منع اكتمال الكارثة، وهو الذي أجبر الآخرين على التراجع، وهو الكفيل بأن يحمل العام الجديد بشائر النصر على إرهاب عميل، وعلى مخططات ـ لم ولن تتوقف ـ لجعلنا ساحة للصراع الإقليمي والدولي. مأساتنا كانت هي الغياب ومسؤوليتنا ـ حتى لا تضيع أوطاننا ـ هي الحضور العربي، بكل ما تعنيه الكلمات.

طباعة Email