من التراب خلق المولى عز وجّل الإنسانَ وميَّزه عن سائر مخلوقاته بالعلم «وعلّم آدم الأسماء كلها»، و«قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»، والعقل وعاء العلم وبه يدرك ما حوله ويبني الموجهات لمسيرة حياته، ومنه يصنّف البشر رجاحة في العقل أو انعداما وحمقا وأحيانا غباء وغيابا.
ولا تعلو بسطة العلم إلا في عقولٍ راجحةٍ امتلأت وهجا ووعيا وفهما، ليظل صاحب العلم البصير أشدَّ قوة مؤثرة في مجرى أحداث التاريخ من لدن أبينا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك لأن الأفهام التي اختارت تطبيق مطلوب خالقها في التفكير والاعتبار والإعمار عمدت إلى التغذية من معين العلم المعين على تطبيق مطلوب الخالق بناءً وإنتاجا لمسيرة الإنسان.
العقل موطن كل القرارات التي تصدر عن الأشخاص، وبقدر ما يحتويه من معارف ومعلومات متفاعلة تكون الأفعال والتحركات، فإما أن يختار المرء الرسالة التي أرادها له الخالق في إعمار الأرض بأن يزيد زراعة الخير في ربوعها، متمسكا بالقيم الإنسانية التي تجمع الشعوب، وينثر بذور الخير الجامعة، فيكون من أخيار الناس دون تفريق هنا بين البشر إن كانوا في خليج العرب ودولها أم أفريقيا عرضا وطولا.
أو تكاثروا في آسيا الصين وما حولها أم الهند وجيرانها، أو تربوا في أميركا شمالها أو جنوبها أم عاشوا في أوروبا شرقها أو غربها، وفي أية بقعة من الأرض كانوا، وإن اختلفت اللغات والأعراق والأديان فإن جامعا أكبر يربط بين الجميع وهم ينحدرون من أصلٍ إنساني واحد وأبٍ وأمٍ واحدة.
وما يجمعهم أكبر وأكثر وأعمّ وأعظم، وذلك أنه كلما امتلأت العقول علما إيجابيا نافعا ازدادت القيم والأخلاق رقياً وعلوّاً وانتج فهما بأن الكون موطن الجميع، وأن ما فيه يسعهم جميعا فلا تحاسد أو تباغض ولا تنافر، لأن المشتركات لتحقيق مصالح الحياة ومنافعها أعلى وأفضل.
نجد في الجانب الآخر عقولا تشرّبت علم الكراهية فازدادت أحقادا، وملأتها ضلالات من بقايا سواد الماضي، وفسادا من ترهات الحاضر أنبتتها أفكار متشددين تفننوا في وضع خطط مصلحية ذاتية، أنتجت تدميرا للشعوب هنا وهناك، وارتهنت أفهامهم للاختلافات فضاعت، واختارت حياة الظلمات فتاهت، وأطفأت أنوار البصائر فعميت.
وارتمت في مواقع اشتداد الحر فحارت وجارت على من حولها وعلى نفسها أغارت، فازدادت الانحرافات والانجرافات «وما يستوي الأعمى والبصيرُ ولا الظلماتُ ولا النورُ ولا الظلُ ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يُسمِعُ من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور».
ولم يصل أصحاب هذه العقول التي أجحفت في حق نفسها وغيرها إلى ما وصلت إليه إلا عبر بيع العقل أو عرضه للإيجار، وسلمت مفاتحه وما تحتويه للآخر ليعبث ويعيد ترتيب القيم والمفاهيم وفق أهواء آنية ومعادلات صفرية ما أنزل الله بها من سلطان، فاختارت الهدم والدمار والإرهاب الذي لا دين له.
وهذا الذي حصل بالأمس واليوم وسيستمر في مواقع كثيرة حول الأرض غدا، نتيجة منهج الخواء المعرفي للأخلاق والقيم الإنسانية، وإحقاقا للحق فإن التاريخ شهد مذابح ومقابر جماعية في مواطن كثيرة نتيجة همجية العقول وقتل الأبرياء، واكتوت الشعوب بعد حروب وإبادات متتابعة في مشارق الأرض ومغاربها من أمثال هتلر وغيره من بقايا بشر باعوا العقول، أو قاموا بتأجيرها بأثمان بخسة شهد التاريخ نتائجها الكارثية.
إن ما نشهده اليوم من مجموعات ارتضت التوحش اللامنتهي في تقطيع رؤوس البشر وتحطيم أثر التاريخ والحضارة، والنظرة الآنية الضيقة التي ترى أنها الحق الكامل، وأن فهمها الذي تأصل واقعا سرطانيا عقيما نتاج منحها العقل بيعا أو تأجيرا لمن رسم ملامح الخراب الذي يشمل البشر والحجر، واختيارا لطريق التغيير دون النظر للمآلات الكارثية على الواقع والمستقبل.
إن أمة فتحت الدنيا بعدلها وإنسانيتها، وأخذت على عاتقها سعادة العالم، وهيأت مدارس العلوم في مجالات الحياة كلها، واحتضنت طلاب المشرق والمغرب لينهلوا من معارف مدارسها وجامعاتها، وحفظت للناس حقوقهم وحريات معتقداتهم ومكنتهم منها.
ومنحت حضارة اليوم أساسات التغيير الذي مكّن الطب والهندسة والطيران والفضاء وغيرها من ولوج عالم تقنيات اليوم والغد، إن مثل هذه الأمة جديرة أن تزيل ما علق عليها من أدران دخيلة، ورايات سوداء كالحة أساءت وأضاعت وأجرمت، وأمتنا قادرة على الانتفاض على دخلاء الدين والمنحرفين لأنها صاحبة مبادئ راسخة وقيم شامخة لا تطالها الأقزام.
العقل هبة من الخالق وامتياز عن المخلوقات كافة، وواجب على الجميع اليوم مؤسسات وأفراد أن تضع أولوية قصوى واهتماما أكبر لترجمة مبادرات دولة الإمارات العربية المتحدة المختلفة في القراءة والفكر والمعرفة إلى مشروعات صغيرة ومتوسطة وكبرى، تسهم في واقع الأسرة والمدرسة والجامعة والهيئات الحكومية والخاصة لبناء منظومات متكاملة ومتجانسة، وتكون من مستهدفاتها تغذية العقل بالصحيح من العلم الذي لا يلغي أحدا، بل يكمل وفق تراكم منطقي لمسيرة الإنسان في الحياة.
فائدة الختام في قول المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ
أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ