يمشي المسافات الطويلة إلى مواقع بعيدة ومرتفعات عالية، ويرتقي الجبال الشامخات صعودا للمعالي والقمم، ويجلس بعد ذلك في خلوته وحيدا بعيدا عن أعين البشر، يتعبد موحّدا ربه في غاره الممتلئ نورا وحبورا وسكينة، تمضي الليالي والأيام وتنقضي الأشهر وهو يبحث عن إجابات لما يعتري فكره من تساؤلات لا تنتهي، ويطيل النظر بحثا عما يشفي صدره ونفسه من عطش لم ترو ظمأه مياه نبعت من أرض أو نزلت من سماء، روحه تحلّق باحثة عن علوم وحقائق واضحات المعالم علّه يظفر هدايةً للحيارى الذين طال انتظارهم حتى كانت اللحظة المنتظرة التي ستغير مجرى التاريخ كله، ينزل أمين السماء ليلتقي وللمرة الأولى بأمين الأرض، ويبدأ الكلام بتسليم مفتاح الرسالة الخالدة، ويعلنها ثلاثا للتأكيد الجازم والحازم والواضح بأنها أساس المعارف كلها، إنها «اقرأ» كلمة تختصر كنه التغيير الحضاري في الأمم من لدن آدم إلى قيام الساعة، هي القراءة الشاملة بأعين البصيرة والمتابعة الكاملة نحو تطوير الذوات عبر مختلف العلوم لإضافة الجديد والمفيد والفريد إبداعاً وابتكاراً.
مئة مليون من العرب يعيشون أمية القراءة خلال نتائج العام الماضي، ما يمثل 19 في المئة من السكان، وهي نسبة تعادل ضعف المتوسط العالمي للأمية، وهو دليل على مسارات مخيفة ونحن نحتفل بعد أيام باللغة العربية الخالدة ونتغنى في أوائل الشهر المقبل بمحو الأمية، واقعٌ يدعونا للتوقف كما هو حال كل عام حيث يبدأ بالتحليل والتذكير وتعقد الاجتماعات وتتشكل اللجان، وإن غابت فعل القرارات الحاسمة لفترات طويلة سابقة فإن شموعا من نور بدأتها دولتنا المباركة اليوم.
إذا كانت القراءة تطيل العمر كما يقول عباس محمود العقاد، و«يذهب الحكيم وتبقى كتبه ويذهب العقل ويبقى أثره» كما يروي لنا الجاحظ، أما فرانسيس بيكون المعروف بقيادته للثورة العلمية في أوروبا والذي وصف النهضة بأنها خلّفت روحاً أدبية جعلت الناس يهتمون بالأساليب والكلمات ويهملون المعاني، وهنا يكمن داء الأمس واليوم والغد في عدم إدراك المعاني والاكتفاء بالمباني، وقد كانت أشهر مقولاته إن «القراءة تصنع الرجال»، والذي يبحث صناعة الرجال وإعداد قادة الغد يبعث في النفوس حب القلم والكتاب، ويترجم ذلك مشروعات حضارية تمكّن إنسان اليوم من ولوج المستقبل متسلحا بأدواته الصحيحة.
دولة الإمارات العربية المتحدة وضعت مجموعة من المبادرات العملية في إطار بناء معرفي استثنائي، وهي التي أنهت قبل أيام قمة المعرفة وأطلقت مجموعة من الجوائز والحوافز تشجيعا واستثمارا، والمتأمل فيما أقدمت عليه قيادة الدولة وهي تسمي 2016 عاما للقراءة يجد ثورة حقيقية على الواقع وتغييرا شاملاً على الأوضاع الحالية، وبذلك يحدونا أملٌ كبيرٌ واستبشارٌ عظيمٌ بأن مخرجات جديدة لا تقتصر على واقعنا المحلي بل ستعم أرجاء منطقتنا العربية والتي سترسم واقعا جديدا أكثر إشراقا.
آن أوان البدء العملي عبر ترجمة القراءة واقعا ملموسا تقيس مدى التزام المؤسسات والأفراد والأسر في تطبيق مجموعة من الأساسيات أولها البيت بمساعدة المدرسة، وإقامة حلقات واضحة تحفيزا وممارسة ممنهجة وفق مؤشرات أداء تبدأ بالقصص ولا تنتهي بالأبحاث والروايات الأدبية، ولا يمكن لمؤسسة صغيرة كانت أم كبيرة أن تصبح متعلّمةً إلا إذا وضعت ضمن رؤيتها واستراتيجيتها قيماً واضحةً وتعدى ذلك ممارسة أفرادها القراءة التخصصية ذات العلاقة، ولعلي أقترح في هذا الصدد إضافة فئات المؤسسة المتعلّمة وفق معايير واضحة لبرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز وبرنامج الإمارات على المستوى الاتحادي، وإطلاق جوائز على المستوى العربي في ذات السياق يسهم في تطوير عملية القراءة نوعا وكمّاً في مؤسسات الدول، ويمكن للقمة الحكومية التي تعقد سنويا تبني مبادرات مشابهة، وتشجيع المؤلفين والكتّاب الذين يعملون في هذه المؤسسات عبر رعايتهم وإيجاد الحوافز المناسبة لهم وتهيئة مناخات تتماشى والتأليف والعمل الأدبي والفني الإبداعي بالتنسيق مع المؤسسات ذات الصلة.
إن المؤسسات الإعلامية يقع عليها دور كبير، خصوصا تلك التي توجه الطفل، وسيكون جديرا بنا إنشاء فضائية متخصصة للطفل تكون من أبرز أدوارها تشجيع وتنمية حب القراءة للطفل، وذلك عبر إعداد محتوى يليق بالقيم المعرفية التي تزخر بها ثقافة أمتنا، ولا نكتفي بِذَرِ الرماد في العيون ببرنامج إذاعي هنا أو تغريدات هناك وإن كانت إيجابية، ولكن الانتقال إلى برامج متكاملة تلبي التطلعات وتؤسس لمخرجات حقيقية ملموسة هو ما يجب أن يكون مبادرا إليه إعلامنا العربي محليا وعربيا.
أما المثقفون في أمتنا، الذين تفتح أمامهم الأبواب مشرعة اليوم، وجب عليهم التقاط الإشارة والبدء في إقامة مهرجانات متخصصة نشرا للوعي وأخذا للراية بحقها، لا أن تترك الساحة ثم يقال لم نتلق الفرصة وهي سانحة أكثر من أي وقت مضى، وبحور المعارف أمام الجميع تنتظر من يغوص صادقا باذلاً وعاملاً بحثا عن لآلئ من الصدفات الغاليات، والتقدير الكامل والشكر لمن أطلق المبادرات من قيادة دولتنا الحبيبة لتبقى الريادة مسعى وهدفا وغاية لا تنتهي أبدا لتكون أمة اقرأ هي الأول قراءة، فهما وتطبيقا كما أرادها مولاها عزّ وجّل.
فائدة الختام:
أعزُّ مكانٍ في الدّنى سَرجُ سابحٍ *** وخير جليسٍ في الأنام كتابُ