العظماء في حياة الأمم هم من يصنعون الفارق الكبير، ويبنون الأمل الذي يبقى ويكبر ويتحدى الصعاب، وهم من يعيشون أضعاف أعمارهم بما قدموه من إرث خالد في جوانب الحياة المختلفة ابتداء بالإنساني وانتهاء بالميداني، وبينهما الكثير من العطاءات الشامخة والشاهدة على البصمة التي بنت أمة، ورعت دولة وألّفت بفضل الله بين القلوب ووحدت البيت، ووضعت لبنات المستقبل المشرق، وسلمت بعدها الراية واضحة معالمها ليسيروا على ذات النهج ويكملوا على البناء ويرعوا ما زرع الوالد والقائد، نتحدث هنا عن مؤسس وباني دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله رحمة واسعة.
في هذه الأيام وضمن احتفالاتها بمرور 44 عاماً على توحّد البيت في الإمارات، يحق لنا أن نستنشق عبير التاريخ المجيد الذي سطّره زايد بأفعال مجيدة عززت مكانة الدولة محلياً، إقليمياً ودولياً، أما المحلي الذي بدأه بتثبيت أركان الاتحاد ووحدة الروح في تراب الوطن حتى صار الإماراتي يستشعر الوطن بناءً واحداً كاملاً وإيماناً بالمصير المشترك الذي لا يخالجه تشكك، وكان منبع ذلك ترسيخ قيم الدين الحنيف في نفوس الشعب، الإسلام الذي يهدم الخلافات الآنية والمطامع الشخصية، ويرتكز على وحدة الهدف والمآل الذي يلزمه بذل الغالي والنفيس ليبقى ويعيش كريماً بين الأمم، لذا كان الاتجاه الأساس في بناء الإنسان المتعلّم الواعي والمدرك لما يدور حوله، المستقر في أسرته والمطمئن لمستقبل أبنائه وأحفاده، وكان في هذا المسار شواهد مضيئة نجني ثمار زراعتها اليوم في ميادين شتى.
زايد بن سلطان لم ينس محيطه العربي والإسلامي فكان أول المبادرين إلى رص الصفوف ووحدة الكلمة أولها مجلس التعاون الخليجي الذي استمر هذه السنوات الطويلة رغم كل المكائد والتحديات، وإن لم يحقق الكثير من الطموحات ولكن يحسب له الاستمرارية التي أوجدت اليوم عاصفةً للحزم، وإعادةً للأمل في اليمن، غير أن فلسطين والأقصى كانت الأولوية القصوى التي ظلت تؤرقه وشواهد البناء والتعمير والتعليم والصحة كانت ولاتزال واجبات وشاهدات ومهمات قائمات علّمنا إيّاها القائد رحمه الله في ربوع فلسطين كلها، ولعل مواقفه مع جمهورية مصر إبّان الحروب المتتابعة وما تلا ذلك أبين دليل على إرادة العزة للعرب عبر نظرة ثاقبة للمستقبل، إضافة إلى ما قدمه من تقريب وجهات النظر في قضايا مصيرية كالعراق وغيرها، وكانت مواقفه في دعم الشعوب العربية وتمكينها من أولويات زايد الخير وله في كل بقعة عربية لمسات من صروح شامخات لا تخطئها عين البصر والبصيرة.

إذا ما انطلقنا نحو العالمية وما أضافه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدولته وأمته سنجد الكثير من التقدير العالي عبر بناء علاقات إيجابية تسودها المصالح الاستراتيجية المشتركة، علاقات اقتصادية وتجارية ودبلوماسية واجتماعية وثقافية، مع الاحتفاظ بالتراث والقيم أساساً يمثل الهوية العربية الإسلامية ذات السماحة التي تبني جسوراً من بناء الثقة والاحترام، وتسعى للاستفادة من التطور والعلوم وتضيف زوايا للفكر البشري والتفكير الإنساني ما يجعل الحياة أكثر انسجاماً وإيجابية وإفادة للعالم كله.
إن إنجازات الشيخ زايد في الداخل وإبداعات الفعل والفكر في الخارج أعظم من أن تحصيها كلمات في صحيفة وأكثر من أن تعددها حروف لكاتب، ويكفي أنها شاهدة في بقاع القارات كلها ولاتزال تسير كالنهر الجاري، وباقيةٌ كالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، والمتتبع لأسرار بناء الأمة الإماراتية وتميز لحمتها الوحدوية الفريدة التي زرع بذورها ورعى نماءها المؤسس فهي تكمن في إضاءة الشموع وملامسة الوجدان بمستقبل مشرق منتظر وهذا الذي حفّز الجميع للعمل ضمن أسرة واحدة ممتدة من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها لغربها نحو أهداف الغد المليء بالفرص والأماني الكبيرة، وهذا الذي تحقق باتخاذ الصعاب والتحديات فرصاً للتغيير والانتقال من صور شظف العيش ومشاق الماضي الماثلة أمام الأعين آنذاك إلى إضاءات تتوهج بريقاً ساطعاً في الآفاق، ووجدوا في عيون زايد القائد والأب ملامح القادم الجميل المتلألئ فسارعوا الخطى وانطلقوا إلى الأمام بذلاً وعملاً وإنتاجاً.
إن مشاركة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان شعبه المراحل كلها أسهم في إنجاز المشاريع التنموية المتنوعة، وأسس لبنيان نرى تباشير انتصاراته في أبنائه الذين يقودون دفة الدولة اليوم وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ونائبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وهم يضعون نصب العين التمكين للمواطن والوطن في المحافل كلها وفق أداء قلّ نظيره في العالم أجمع، إن ما ينعم به إنسان هذه الأرض من امتزاج مشاعر القيادة في أفراحه وأحزانه دليل إضافي على استمراريتهم على نهج المؤسس مع رؤية تنظر وتنتظر مواقع متقدمة للإمارات وشعبها لخمسين سنة قادمة وأكثر، ليبقى زايد أبداً بما قدمه وبذله خالداً في ذاكرة الأرض ولن تنساه الأجيال ما بقيت إلى قيام الساعة.
فائدة الختام:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قـدر الكـرام المكــارمُ