العقل في إجازة

ت + ت - الحجم الطبيعي

أجمل ما في هذه الحياة، هو راحة البال، بعيداً عن المنغصات التي تؤرق العقل وترهق القلب، إلا أن ذلك محال للإنسان المعاصر، فقد أسهمت وسائل الاتصالات والتواصل في خلق القلق والتوتر، فهل هي الثمن الذي يدفعه الإنسان لهذا التطور؟!

لم يعد الأمان النفسي متوفراً خاصة إذا كانت العلاقات متشعبة ومتداخلة بين الأقرب والأبعد عن الإنسان، ولا يدرك الفرد منا أن الأجيال الشابة لها عالمها الخاص، وهي للأسف أنانية، فهل هذا هو نتيجة للتربية الحديثة؟ وهذا ما يعتقد البعض، وهو واقعياً ليس بالحقيقة المطلقة، بل ربما يعود للتكوين النفسي، وربما الاجتماعي، أم أن في ذلك تفاوتاً بين أفراد المجتمع؟

بالأمس سأل أحد الأخوة عن العلاقات بين الجيران، هل هي كما كانت في السابق؟ أم أن التغييرات قد خلقت فجوة؟ والواقع أن الفرد يكاد بصعوبة أن يعرف من هم أقرب له، فما بالك بأولئك الأبعد جسدياً، وربما عقلياً وفكرياً، وحتى في هذا الجانب تختلف نظريات العلماء في الدراسات الإنسانية والاجتماعية.

أصبح حديث «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» صعب التحقيق، فقد تطور إيقاع المجتمع بشكل أصبح معه الابتعاد عن الآخرين هو الأفضل، فهم سبب المشاكل والقلق والتوتر، ومن دونهم يكون الهدوء والسكينة، أما مبدأ نصرة الأخ، سواء ظالماً أو مظلوماً فقد بات من التقاليد الكلاسيكية القديمة، التي يصعب إعمالها في مجتمعاتنا المتوحشة الآن.

هل هذه دعوة إلى الانعزالية وخلق جدار بيننا وبين الآخرين؟!

هناك وسائل أخرى للعزلة والانعزال أفضل من الابتعاد عن الناس، مثلاً، لعل الانخراط والانغماس في العمل لساعات طويلة هي الحل للابتعاد عن القلق، ومحاولة الإنتاج بدلاً عن الثرثرة، التي من دون فائدة تذكر.

في الوقت الراهن هنالك مناسبتان يلتقي فيها الناس ربما دقائق معدودة، وهي حالات الوفاة وحالات الأفراح؟! وهما نقيضان مهما حاولت أن تتفلسف في تفسيرهما، إلا أنهما حقيقة ناصعة وواضحة كوضوح النور في النهار، وإلا غبت في الظلام الدامس، وحينها تتخبط بما هو حولك من أشياء حية أو غيرها.

كان من نتائج استخدام التكنولوجيا الحديثة أنها أصبحت أصلب من سور الصين صلابة، وليس لها نهاية، ففي كل ساعة أو ربما ثانية هنالك تطور في هذا المجال، ولن تستطيع المواكبة، بل ربما تنقطع أنفاسك من الجري.

هل يمكن القول إن الإنسان زاد راحة ورفاهية مع التطور التكنولوجي الحديث، أم أنه زاد انعزالية وإحساساً بالكره والخوف من المجتمع المتوحش المحيط به، حيث يعيش وسط أناس لا يشعر بهم ولا يشعرون به.

كم هو مهم أن تسترخي وتستمع للموسيقى الهادئة، ومعها صورة من الطبيعة الجميلة من أماكن ربما لم تزرها من قبل، إلا أنها تدعوك إلى العودة إلى ما قبل التقدم العلمي، وتزيد من طموحات الإنسان في البحث عن حاجاته، أليس هذا هو الاغتراب الجديد للإنسان؟! وهي عودة لتفسير الاغتراب من جديد يا صديقي القارئ.

طباعة Email