يضرب الإرهاب في كل مكان، ويظهر وجهه القبيح الذي يريد أن يخفيه زوراً بارتداء قناع الدفاع عن الإسلام، وهو أول أعدائه وأشد خصومه. يضرب الإرهاب وتنتفض الإنسانية كلها تحاربه، بمن فيها بعض القوى التي تصورت أنها تستطيع حصاره ليؤدي مهمته في تدمير دول العرب وتشويه الإسلام دون أن يمسها هي بشر.
فإذا بها تجد الثعابين التي ربتها لتعيش بعيداً عنها تتجول في شوارعها وتزرع الموت في أهم مدنها! وقد يكون غريباً أن أبدأ بالحديث عن الإرهاب الذي نواجهه، وأنا أريد أن أكتب عن حديث يبدو بلا صلة بهذا الإرهاب، بل يبدو صورة للنقيض الذي يمثل التقدم والتحضر والعلم والحداثة..
وهو الحدث الذي يتمثل في انتخاب الدكتورة أمل القبيسي رئيساً للمجلس الوطني الاتحادي، ولتكون أول سيدة تحتل هذا الموقع في الإمارات وفي العالم العربي. يجيء انتخاب الدكتورة أمل في هذا الموقع المهم ليس فقط لتجسيد ما وصلت إليه المرأة في الإمارات وما أنجزته في مختلف المواقع التي احتلتها، لكنه أيضاً يجيء في وقت ليكون رداً على من يربطون بين الإرهاب والإسلام...
وعلى هؤلاء السفلة الذين يختفون وراء رايات ترفع شعارات إسلامية لكي يقدموا أسوأ صورة لدين كانت رسالته المحبة والتسامح بين البشر. ويجيء انتخاب الدكتورة أمل في هذا الموقع المهم، وفي وقت أصبحت فيه المنطقة ساحة للقتال ضد إرهاب منحط وضد تآمر خارجي يستهدف الأمة العربية كلها..
ليكون رسالة لنا قبل الآخرين، بأن المعركة في حقيقتها هي معركة بين التحضر والعلم والتقدم الإنسانيين وبين الجهالة والتخلف. هي معركة بين من يريدون للعرب والمسلمين أن يلحقوا بالعصر ويخاطبوا المستقبل، وبين من يريدون إعادتهم إلى كهوف الخرافة والعبودية في العصور الوسطى.
قبل ستين عاماً، وفي ظروف صدام مثل التي نمر بها الآن مع جماعة الإخوان وما انتجته من جماعات الدواعش، وفي ظل صدام مع قوى خارجية كانت ترفض أن تستقل مصر بقرارها، وأن تبني دولتها الحديثة.. في هذه الظروف اتهم عبد الناصر بالكفر والخروج على الدين، لأنه أعطى المرأة حقوقها السياسية الكاملة، بينما كانت نصف دول أوروبا لم تتخذ بعد هذه الخطوة.
ولم تخيب المرأة العربية في مصر الظن. دخلت البرلمان بالانتخاب الحر، ودخلت الحكومة لتصبح وزيراً لأول مرة. وأنجزت في كل المجالات. من الصحافة والثقافة إلى علوم الذرة التي طاردت إسرائيل المتفوقات في هذا المجال المهم وتمكنت من اغتيال إحداهن في واقعة شهيرة لتنضم إلى علماء مصريين آخرين لاقوا المصير نفسه للسبب نفسه!
وفي الإمارات كانت شاهدة على بدايات شاقة ورائدة في الوقت نفسه، قاد فيها الشيخ زايد المسيرة من نقطة الصفر. ولا شك أن ما قدمه مؤسس الدولة ..
وهو يعلن أن بناء البشر هو الهدف الأهم سوف يظل علامة فارقة في تاريخ الإمارات. وقد كان تشجيع تعليم الفتيات إحدى المهام التي لم تكن سهلة في ظل تقاليد خاطئة أمكن التعامل معها بسهولة. وفي ظل فكر وافد ومضلل مازلنا نحاربه حتى الآن داخل الدولة، وفي الوطن العربي كله.
ولعل الكارثة التي تعرضت لها مصر في العام الأسود الذي حكم فيه الإخوان تعطي مثالاً واضحاً على جوهر الصراع الذي تخوضه الأمة، وتكشف لماذا تؤيد القوى الخارجية المعادية لنا هذه الجماعات الإرهابية وهي تعرف ـ كما نعرف نحن وأكثر ـ أنها ليست إلا وسيلة لاستنزاف قوى الأمة، وإعادتها لظلام العصور الوسطى.
في عام حكم الإخوان الأسود، رأينا حصيلة سنوات طويلة سمح لهم الحكم في مصر بأن ينشروا فكرهم الظلامي، فكانت النتيجة أن رأينا المرأة تتحول إلى «عورة»! ورأينا ـ تحت قبة البرلمان ـ من يدعون لزواج الطفلة في السابعة من عمرها! ورأينا من يفتحون طريقاً سار فيه أتباعهم من الدواعش حتى وصلوا إلى سبي النساء وبيعهن جواري.
كما حدث مع اليزيديات في العراق المنكوب! ومن هنا تلقيت نبأ انتخاب الدكتورة أمل القبيسي بالتزكية لرئاسة المجلس الوطني الاتحادي على أنها رسالة على أن الطريق الصحيح للعروبة والإسلام لا بد أن يبلغ نهايته، وأن هزيمة عصابات الإرهاب والتخلف لا ريب فيها.
وأن الهزيمة لن تكون فقط بالإجراءات العسكرية والأمنية الضرورية، لكن أيضاً بانتصار الفكر الصحيح الذي يجسد حقيقة العروبة وروح الإسلام الحنيف الذي ينتصر لكرامة الإنسان ويعلي من قيم التسامح والمساواة في الحقوق، ويعرف قدر المرأة ويعطيها كل حقوقها قبل أن تعترف دول العالم بهذه الحقوق بقرون عدة.
عندما تلقيت خبر اختيار الدكتورة أمل القبيسي لرئاسة المجلس الوطني الاتحادي، استعدت ذكريات الأيام الأولى لدولة تبني نفسها، وتختار طريقها وسط العواصف السياسية والحروب الباردة أو الساخنة! كانت البدايات صعبة، لكن الثمار تدعو للفخر بما أنجزه شعب الإمارات في سنوات لا تعد في عمر الدول أو الشعوب.
لكن الأهم في هذا الحدث، أن يقدم الصورة التي نريدها للمرأة في العالم العربي كله، وأنه يعكس حقيقة أن الإمارات قد انتصرت على دعاة الفكر المتخلف الذين تصوروا حين سقط حكم مصر في أيديهم (في ظروف مشبوهة) أنهم قادرون على السيطرة على المنطقة بأسرها. وبعيداً عن مصر التي نجت من هذا المصير فإن الظروف التي نمر بها قد فرضت مشهداً فريداً تمر به الأمة.
فهناك الدواعش الذين يرتكبون ضمن جرائمهم المنحطة، جريمة استعباد النساء وتحويلهن إلى جوارٍ وسبايا، وهناك من ارتدت الحزام الناسف في أحداث باريس وفجرت نفسها باسم الإسلام المفترى عليه. وهناك ـ في المقابل ـ هذه الصورة التي نعتز بها لأنها تعكس حقيقة نظرة الإسلام للمرأة، وتقدير العروبة لها، وهي وجود الدكتورة أمل القبيسي على رأس المجلس الوطني الاتحادي.
إنه ليس إنجازاً للمرأة في الإمارات، ولا حتى إنجازاً للمرأة العربية فقط. الأهم أنه رسالة للعالم كله بحقيقة الإسلام وجوهر العروبة، وإعلان أننا أمة تستحق الأفضل، ولسنا أمة «الدواعش» و«الإخوان» كما يريدون لنا!