خلق الله الإنسان وكرّمه على سائر مخلوقاته وجعله خليفة في الأرض واستعمره فيها، ومن هذا المنطلق منحه الخالق الممكنات التي تعينه على أداء رسالته الكبرى ألا وهي الإعمار بمفهومه الشامل الذي يعني مناحي الحياة كلها، إعمار يبدأ بالإنسان جسدا، فهمًا، عقلا وتفكيرا، ولا ينتهي بالبنيان بل يمضي أبعد من ذلك ليعم كامل المحيط من معارف وعلوم الفضاء وإدراك كنهه وصولا إلى الغاية الإلهية في تحقيق متطلبات إعمار الأرض.
واليوم تتسابق الأمم الحية نحو الحصول على أدوات المعارف المختلفة كما وكيفا، ونراها تنجح أحيانا وتخفق في أحايين كثيرة أخرى، ولكن ما هو أبرز مفاتيح الولوج إلى عالم امتلاك زمام المبادرة وصناعة التاريخ وقيادة الحضارة الإنسانية، الإجابة تكمن في الابتكار بمفهومه الشامل وتسخير الموارد وفق دراسات جادة واختيارات صحيحة تمكينا للمسببات ووصولا للغايات الحضارية المنشودة.
تحتضن دولة الإمارات العربية المتحدة الابتكار أساسا لتطوير منظومة عملها، وتتبنى تطبيقاته في مختلف جوانب ممارساتها اليومية، حيث أطلق صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة 2015 عاما للابتكار، ودعا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي إلى تفعيل ذلك عبر إطلاق مجموعة من المشروعات والمبادرات الرائدة.
وتتسابق الهيئات والمؤسسات الاتحادية والمحلية لتغيير ممارساتها وتبني الابتكار في سلسلة من المحاولات والأعمال المتفاوتة في تأثيرها، حيث تقترب بعضها من تطبيق المطلوب وهي في الاتجاه الصحيح نوعا ما، بينما تبتعد أخرى شيئا ما وهي تدندن خارج الإطار الذي تم وضعه سعيا لقول إننا متواجدون، وهي مشكورة في مسعاها لكنها بحاجة إلى إعادة النظر ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وستكون.
بناء على تقرير صادر عن مؤسسة استراتيجية وأعمال دولية مختصة في إصدار التقارير في الولايات المتحدة في 27 اكتوبر الماضي تتزعم أميركا بقية دول العالم إنفاقا على الابتكار عبر البحث والتطوير بإجمالي يصل إلى 144 مليار دولار خلال 2015، بينما تنفق الصين ما يقارب 55 مليار دولار، واليابان 50 مليار دولار، وألمانيا 32 مليار دولار، أما على صعيد الشركات فقد جاءت شركة فولكس فاجن الألمانية الأكثر إنفاقا على البحث والتطوير الابتكاري حيث أنفقت أكثر من 15 مليار دولار، تلتها شركة سامسونج بإنفاق 14 مليارا، ثم عدد من الشركات الأميركية مثل انتل، ومايكروسوفت.
واتضح من التقرير أن أعلى 20 شركة انفاقا على الابتكار خلال البحث والتطوير تصرف مجتمعة أكثر من 176 مليار دولار خلال عام واحد فقط سعيا للبقاء والمضي نحو قمم جديدة، ويتصدر قطاع التقنية والحاسوب قائمة الأكثر إنفاقا على البحث والتطوير الابتكاري بنسبة 24.5% ثم قطاع الصحة بنسبة 21%، وتربعت شركة أبل، تلتها جوجل كأفضل الشركات ابتكارا على مستوى العالم، ولا تتضمن الاحصائيات الجوانب العسكرية والأمنية لحساسيتها وسريتها.
من هذه الإحصائيات والأرقام يتضح جليا أهم أسباب تقدّم الولايات المتحدة تحديدا على نظيراتها من العالم دون أن نغفل دولا أخرى تتسابق في هذا الميدان وتنافس بشراسة بحثا عن مواقع الصدارة العالمية، ومفتاح الأسباب يكمن في الابتكار بمفهومه الشامل والكامل واستمرار الإنفاق عليه ووضعه أولوية وطنية.
لقد أنشأت هذه الدول عبر سنين طويلة منهجيات عمل متكاملة للوصول إلى هذه النتائج عبر سلسلة من الخطوات من أبرزها: ترسيخ ثقافة الابداع ومفهوم الابتكار في كافة مناحي الحياة فاجتمع التعليم إلى الإعلام ومن خلفهما الاقتصاد خصوصا لبناء مراكز بحثية متقدمة ومتخصصة تعمل على تهيئة المناخ لتوليد الأفكار عبر مجموعة من الآليات التي أخذت أشكالا متنوعة لكنها اجتمعت على ركائز أربع: العلم، التركيز، التبني، والتحفيز.
تتمحور ركيزة العلم في دور البحث العلمي الذي يبدأ من الجامعات والكليات المتخصصة حيث لا يختلف اثنان حول نتائج هذه الجامعات التي أخرجت للعالم أفضل وأكثر محرك بحث استخداما على شبكة الانترنت «جوجل» كمثال واحد فقط، إضافة إلى ما نسمعه بين الفينة والأخرى حول عدد من الأبحاث الطبية التخصصية التي غيرت مسارات الحياة للملايين حول العالم، إن ما تحتاجه الدول لتعزيز مواقعها في الابتكار يبدأ من جامعاتها ويكمن ذلك في تفعيل مراكز البحث العلمي فيها وإطلاق مجموعة من البرامج الهادفة لوضع لبنات الحراك الحقيقي الملموس، ووضع ذلك في مسار قطار الحضارة الصحيح، وبذلك يكون المنطلق صائبا.
أما التركيز فهو ركيزة تقوم على أساس تجميع المختصين حول فكرة بعينها والتركيز حول تفاصيلها وتحليلها بشمولية متأنية لتخرج متوهجة ذات تأثير عال، ومثال ذلك ما يقوم به المختصون في تجميع أشعة الشمس وتركيزها لتنتج طاقة هائلة تحرّك الساكن وتنير ظلمات العقول والدروب، بل وتسيّر الآلات لتزيد إنتاجا في مناحي الحياة كلها، وهنا يبرز دور المراكز المتخصصة في فنون الابتكار المتنوعة في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع والفن وغيرها عبر اختيار الكفاءات بعناية شديدة.
وتحديد الأفكار والمواضيع ذات التأثير الواضح في حياة البشرية، واختيار المواقع ذات الصلة في عملية تناسبية تتبناها مراكز البحوث والدراسات، وهي مراكز التفكير والبحث واكتشاف الحلول بعد التشخيص الدقيق للواقع، والبدائل ومكامن الخطر وتتعدى ذلك لوضع إجراءات التصحيح والتغيير الإيجابي وفق استراتيجية واضحة المعالم.
الإنسان إما أن يكون ضعيف الإرادة يتقدم خطوة ثم يتقهقر خطوات، ولا يحقق أي إنجاز حتى في أسهل الأمور، أو يختار موقع الشخص قوي الإرادة يتقدم بثبات دون اكتراث بصعوبات الطريق الذي يسلكه نحو الهدف الواضح... إنه اختيارك أنت ومن أي مكان أو منصب كنت عليه اليوم، افعل ما تستطيع عمله بما تملك، لا تقف أو تتردد، وجبان ذلك الذي يرى الحقيقة واضحة معالمها، جليّة مقاصدها ثم لا يساندها، سعيا لمغانم وقتية فانية.
حديثنا في المقالة القادمة حول بقية الركائز نحو ابتكار يصنع حضارة تغير مجرى التاريخ، لكن من المهم أن أذكر نفسي وإياكم بهذا التساؤل ونحن نعيش حقبة زمانية ومكانية قلّ نظيرها: من لا يبتكر اليوم في دبي والإمارات، فأين؟
فائدة الختام: لَيسَ التّعلَلُ بالآمَالِ مِن إرَبي
وَلا القَناعَـــــةُ بالإقْــــلالِ من شِـــيَمي