«لقد أكدّت السنوات الماضية أهمية الاتحاد وضرورته لتوفير الحياة الأفضل للمواطنين، وتأمين الاستقرار في البلاد، وتحقيق آمال شعبنا في التقدم والعزة والرخاء»، بهذه الكلمات الخالدة للقائد المؤسس زايد بن سلطان آل نهيان ،طيب الله ثراه، نبتدئ رسم الملمح الثاني في ظل متغيرات المنطقة والعالم، ملمح يتجسد فيه التلاحم والتكاتف الذي قلّ نظيره في مناطق أخرى من العالم، نرى ونلمس ونعيش اندماجاً بين قيادة الدولة والشعب لا يمكن أن يلمسه إلا من عاشه، ولا يصدقه إلا من رآه رأي العين، ولا ينعم به إلا من ذاقه واستحقه، يأتي يوم على العالم من يترجم مقاصد زايد ومآثره واقعاً يعيشه أبناء الإمارات في يومياتهم، نرى قيادة استثنائية أخذت على عاتقها متطلبات شعبها أساساً في سلّم أولوياتها، واتخذت من السعادة مؤشراً تقيس به مدى التزام حكومتها وهي تمارس وتؤدي مهامها، بل وتحاسب المقصّر إن تأخر في تأدية الواجبات التي تحقق الرضا للناس.
في عباب البحر المتلاطمة أمواجه اليوم تسير سفينة دولة الجسد الواحد في الإمارات العربية المتحدة حيث التلاحم الإيجابي الذي تتكسر أمام صمود أبنائه سهام الظلم والظالمين وتندحر مكائد الباطل والمبطلين، وتتبخّر دعاوى السحرة من مرضى النفوس والمعممين، لا موقع له لمن باع نفسه لمعتقدات واهية أو ظن أنه حين ينشر نقده الهدّام شرقاً وغرباً بحثاً عن مكاسب ذاتية سيغير من مسيرة دولة الخير المنطلقة إلى آفاق الغد المشرق، لذا كان لزاماً أن تضرب على يد الجاهل وهو يسعى إلى نخر السفينة وآفتهم في فهمهم السقيم المحدود وأحياناً أخرى كثيرة يكون مرضاً عضالاً، نسأل الله العافية والسلامة.
لقد أصبحت دولة الإمارات اليوم مثالاً حقيقياً يدعو إلى الافتخار وهي تمثل صورة الجسد الواحد في أبهى صوره، تحقيقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى)، كيف لا ونحن نرى عبر مثال واحد فقط خلال الأحداث الأخيرة أن قيادة الدولة تجوب مناطق الدولة المختلفة لمشاركة الأسر الأحزان والأفراح حيث تمتزج المشاعر بين القيادة والأسر ويلمس الجميع مدى الوفاء في هذا التلاحم التاريخي الذي لم نجد له في أرشيف الدول نظيراً، وهي تجسّد ملحمة المودة والتراحم والتعاطف وهي تتداعى بالسهر على راحة الجميع من أجل الجميع.
في مسطرة تقدّم الأمم وسيادة الدول مجموعة من المؤشرات التي تضع الأمور في نصابها الصحيح نحو التقدم عبر بحار ومحيطات تموج أخطاراً وأهوالاً لا حصر لها وأبرز مؤشرات النجاة في التكاتف الذي يحفظ الإنجاز وينميه عبر استشعار المسؤولية من كل أفراده دون استثناء، ولا يتحقق ذلك إلا بالتعاون الذي يرسي صروح المجد فوق القمم، والتعاضد الذي يقدّم فيه الجميع مصالح الوطن العليا فوق كل الاعتبارات الأخرى قولاً واحداً، والمعالي والسيادة لا تتحققان للحضارات والأمم بالفرقة أو الانتماءات الحزبية الضيقة بل تحتاج لهمم عالية تبني وتسهم في تشييد البناء الذي أراده الخالق عز وجل، وهذا المبدأ الإيماني الواضح التبس على البعض فأخذته حظوظ النفس لتكتلات مشبوهة وأفكار مشوشة تسعى إلى زعزعة أركان سفينتنا ولا ناصر لهم إطلاقا.
إن أبناء زايد وهم يعيشون لحظات بناء دولتهم العصرية راسخة أقدامهم لا تستسلم أو تلين أمام معاول الهدم، بل إن أياديهم التي ترتفع حمداً لمولاها الذي وهبها من خيرات الأرض أجودها ومن القيادة أصلبها، ومن الرؤية أوضحها، فامتدت مع نظيراتها تبني المجد وتمارس البناء لتكنس الضلالات دون هوادة لأن رسالتها تكمن في بناء الإنسان، فهذا معلّم الأجيال يربي، وهذا الطبيب يعالج، وذاك المهندس والمعماري يشيد ويبني، وهذه الأم والمرأة تسهم وتبادر وتصنع الرجال، وكل يزرع ويضع اللبنة على الأخرى ليعم الخير والنماء والازدهار، وليكون الحصاد غداً الانتصار والاستبشار والإعمار.
إن الجسد الواحد في دولتنا يعني أن الطالب والمعلّم والاقتصادي والمحاسب والإعلامي والكاتب والشاعر والفنان والخطاط والرسّام ورجل الأمن وبمعية القائد الوالد يمضون في تناغم وتكامل وتفاهم ومشاركة فاعلة دون تردد أو تشكك في سلامة المسير أو المقصد، وإنه كلما اجتمعت الأيادي وتعاونت القلوب دنا المجد، وابتسم المستقبل دون ريب، فلا رقي بلا تلاحم حقيقي ترتفع فيه مصالح الأمة والدولة فوق غيرها، لتتجسّد معاني التضحية والعطاء كل ربوع الأرض ومن كافة الفئات والشرائح تتقدمهم قيادة واعية مدركة حازمة تسير وفق رؤية واضحة المعالم نحو تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد، بعدما انكشفت المواقف واتضح الصديق من العدو، وانزاح الستار عن الجميع، ولم يعد للأعذار ملتجأ و لا للأوهام والظنون متكئ.
مع تعدد الرايات واختلاف المناهج تبقى راية الاتحاد ومنهج الوحدة الحصن الحصين والركن الركين الباقي تميزاً وعزة وشموخاً رغم كل المكائد والفتن، فأي الفريقين تختارون وإلى أي حصن تلجؤون يا أبناء الإمارات في يوم تصوّب فيه النيران الحاقدة أوتاد الأوطان وتتبدّل الأحوال في أراض قريبة في منطقتنا وتتفتت الشعوب وتتعرى المواقف وينهدم البنيان هنا وهناك؟
إن أبرز ما يميز دولة الجسد الواحد أنها استلهمت من تراث الوطن ممارساتها الأصيلة لتحقيق التواصل المباشر والمستمر بين أبنائه جميعاً برحابة الصدر الذي لا يكون إلا في أرض الخير لتحويل الأماني والأحلام إلى مشروعات وإجراءات فاعلة ذات تأثير مباشر على يوميات الحياة وعلى مختلف الأصعدة، وانطلاقاً من هذه الأدوار الخلّاقة لقادة الإمارات وانسجاماً مع توجهاتهم الرامية إلى مشاركة الجميع في اتخاذ القرار لتستمر المسيرة وتمضي السفينة لغاياتها الكبرى المنشودة دون توقف.
دولة الجسد الواحد سيري واستمري لا تبالي بعبابٍ أو عواصف، وإن زادت على الأرض أو من الأجواء القواصف، أنت من أهديتي عقول القوم أنوار الكواشف، فكشفتي الزيف والإجرام والأحقاد ونسفتي أباطيل الدواعش والمُناكِف، وزرعتي بالحب دوماً مراس الخير في كل أرضٍ بالتكاتف، وارتقت اسهاماتك خلوداً بالعطاء والبذل ما دامت السموات والأرض نبلا بالمواقف، لا تخطئها العين الصادقة، وستظل تتجاوز المنعطفات والمحطات في أصعب الظروف، وتلملم ما تبعثر بل وتستشعر وتداوي الجميع لتزداد تماسكاً وقوّة في داخلها، ليقينها أن النصر الحقيقي هو انتصار الداخل في وحدة الأبناء وتكامل الجيل دون رضوخ لجاهل أو معتد آثم.
أخلصت دولة الإمارات متمثلة في قيادتها محبتها وودها وخدمتها لأبنائها، فصدقوها وبادلوها الشعور عملاً وبذلاً وتضحية وانتماء وولاء، ويأتي اليوم شاهداً يثبت فيه أبناء هذه الأرض الطيبة أنهم على العهد باقون، ويزدادون إيمانا بأهمية اتحاد القلوب ووحدة العقول لتحقيق المستقبل الأكثر إشراقاً لتبقى مسيرة دولة الجسد الواحد مثالاً يحتذى إلى قيام الساعة ما دامت النيات الصادقة باقية راسخة.