مع بداية جولة مهمة من جولات الانتخابات البرلمانية في مصر، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يبدأ رحلته الخارجية المهمة التي بدأت بالإمارات ثم بنيودلهي لحضور المؤتمر الإفريقي - الهندي، التي تنتهي بزيارة البحرين في توقيت مهم يعطي رسائل مهمة لكل من يهمه الأمر!
يعني أن هناك اطمئناناً على أن تجرى الانتخابات بلا مشكلات، وأن مواجهة الإرهاب الإخواني - الداعشي قد انحسرت، وأن الأمر مستقر، والمنافسات الانتخابية لم تحمس الاستقرار في المناطق التي تمت فيها الانتخابات التي ترتكز أساساً في صعيد مصر لكن ذلك لا يخفي السلبية الكبيرة في هذه الانتخابات، وهي ضعف إقبال الناخبين.
وقد كان الأمر - بالنسبة للخبراء - متوقعاً من قبل، ولكن ليس بهذه الصورة!
لم يكن هناك هذا التحدي الذي كان موجوداً في الاستحقاقين السابقين.. سواء في إقرار الدستور، أو انتخاب الرئيس. الأوضاع الآن مستقرة لحد كبير. والحصار الخارجي الذي كان مفروضاً على مصر الثورة بعد 30 يونيو لم يعد موجوداً، وشرعية النظام لم تعد محل شك..
وإفريقيا التي جمّدت عضوية مصر بعد 30 يونيو تختار مصر لرئاسة الدورة الحالية لاتحادها. وأميركا التي جمدت توريد السلاح وشنت حرباً على الثورة تأييداً للإخوان، تجري الآن الحوارات الاستراتيجية مع القاهرة وترسل السلاح، والعلاقات مع روسيا وأوروبا تطورت لدرجة التعاون بعد أن ثبتت صحة رؤية مصر في ضرورة الحرب الشاملة ضد كل فصائل الإرهاب.
قد يكون من الإيجابيات أنه لا شبهة في تزوير عملية التصويت التي تمت بقدر كبير من النزاهة والشفافية.. وفي ظل انضباط أمني كبير واختفاء لأعمال عنف بعد تهديدات لم تتوقف طوال الفترة الماضية من الإخوان وتوابعهم من عصابات الإرهاب بإثارة القلاقل وإشعال الموقف أثناء الانتخابات.
في الداخل - ورغم المشكلات الكثيرة، فقد تراجع العنف، وتم توجيه ضربات صاعقة لعصابات الإرهاب في سيناء وعلى الحدود مع ليبيا. ولم يكن «الإخوان» محتاجين لإعلان مقاطعة الانتخابات، لأن الملايين قاطعتهم بالفعل، ولأن ما ارتكبوه من جرائم سواء أثناء حكمهم أو بعد 30 يونيو كان كافياً لانتزاع رصيدهم من الشارع.
أما الظاهرة الأهم من كل ذلك، فهي عزوف الشباب بنسبة كبيرة عن المشاركة في التصويت. رغم وجود نسبة مقررة لهم في القوائم ورغم أن بعضهم خاضوا المعركة ببسالة وتحدوا كل العوائق وفازوا بجدارة، كما حدث في الإسكندرية «التي كانت معقلاً في الفترة الماضية للسلفيين وفلول الحزب الوطني»..
حيث سجل الشاب هيثم الحريري نجاحاً ساحقاً «وهو ابن المناضل الراحل والنائب السابق أبو العز الحريري».. لكن هذا كان استثناء من الظاهرة التي ينبغي التعامل معها بجدية، فالشباب كانوا وقود الثورة في موجتيها «الأولى في يناير 2011 والثانية في 30 يونيو» والشباب هم المستقبل. ولا شك أن التعامل معهم لم يكن ملائماً طوال سنوات الثورة.
كان الشباب بلا تنظيم ولا تجربة.. ولهذا كانت لهم أخطاؤهم.. لكن أحداً لم يساعدهم. لا الأحزاب القديمة ولا الجديدة، ولا أجهزة الدولة بقياداتها التقليدية. ولعب إعلام رجال الأعمال دوراً سيئاً في محاولة تشويه شباب الثورة، ومحاولة زرع الشقاق بين موجة الثورة في يناير 2011 ويونيو 2013، وفي محاولة تبرئة رموز الفساد القديم وإعادتهم للحياة السياسية.
وللغرابة.. فقد كان ذلك يحدث في وقت كان الرئيس السيسي يناشد فيه زعماء الأحزاب أن يتعاونوا في احتضان الشباب وفتح مجالات العمل أمامهم! لكن الأمور على الأرض كانت تسير في اتجاه آخر والأحزاب كانت مشغولة بصراعاتها الداخلية، والدولة كانت مشغولة بالصراع الأكبر ضد الإرهاب. والتعديلات التي كانت مطلوبة ومتفق عليها على قانون التظاهر لم تصدر، وكان على الشباب أن يدفع الثمن!
ولو كانت السلطات قد استمعت لما اقترحناه من اليوم الأول للثورة بالبدء بتغيير شامل في المحليات وانتخابات جديدة تأتي بالشباب إلى قيادة العمل الشعبي في الريف وأحياء المدن لكان الوضع قد اختلف، ولكان الشباب قد اكتسب خبرة العمل وسط الناس، ولكان لدينا الآن المئات من القيادات القادرة على الانتقال من المحليات إلى البرلمان ومعها الخبرة اللازمة والقدرة على تجديد دماء العمل السياسي وتنظيم العمل التنفيذي من الفساد الذي استشرى على مدى سنين طويلة في المحليات.
ومع ذلك تبقى مرحلة ثانية لانتخاب أكثر من نصف البرلمان. لعلها تكون أفضل في نتائجها. لكن في كل الأحوال لابد من دراسة دقيقة لما تم، ولابد من علاج لأوجه القصور، ولابد من مد جسور الحوار مع الأجيال الجديدة.
منذ البداية كان واضحاً أن البرلمان المقبل لن يعكس الصورة المثلى لمصر بعد ثورتين. وكان المهم - رغم ذلك - ألا يكون معرقلاً لخطوات الإصلاح في مصر الجديدة، ولا ممثلاً للثورة المضادة، ولا ساعياً لإعادة مصر إلى الخلف وإنتاج أنظمة أسقطها الشعب في ثوب جديد.
ومهما كانت نتائج هذه الانتخابات، فإن ذلك لن يحدث لأن الشعب - من شارك منه في الانتخابات ومن لم يشارك - لن يسمح بذلك، ولأن الدولة بعد ثورتين لا يمكن إلا أن تنحاز لإرادة الشعب.