الشرق الأوسط لا يندرج ضمن المناطق الأكثر سعادة في العالم، حيث يعود ذلك للأسف إلى النصيب الوافر الذي شهدته المنطقة من الاضطرابات والمعاناة، ولكن لحسن الحظ، لدينا الآن القدرة على التعاون للتغلب على تلك المعضلة عن طريق العمل المشترك والواعي لبناء مدن سعيدة.

من أبرز مؤشرات المدينة السعيدة هو عندما يعبّر غالبية السكان عن مدى رضاهم بالحياة التي يعيشونها. وفي المقابل، يتمتع هؤلاء الناس بالمقدرة على القيام بأمور تعود بالفائدة، ليس على أنفسهم وعائلاتهم فحسب، ولكن على الناس الآخرين أيضاً. وبالتالي، فإن تطوير المدن مع تمكين الأفراد هو من أكثر الأساليب فعالية للحفاظ على السلام والاستقرار.

وترتكز عملية إنشاء مدينة سعيدة على الكثير من التنسيق في الوقت والجهد بين العديد من الأطراف المعنية، وتحديداً، الحكومة والقطاع الخاص والسكان. فليس من الممكن إنشاء «مدينة السعادة»، خلال يوم واحد، بل إن الأمر يتطلب الكثير من العمل التراكمي المتواصل، كما ذكر عالم النفس الأميركي أبراهام ماسلو في نظريته الشهيرة «تدرج الحاجات».

ويقول ماسلو في نظريته، إن معدلات السعادة عند الإنسان ترتفع عندما تتحقق مجموعة احتياجاته بشكل تدريجي. ووفقاً للنظرية، تتدرج الاحتياجات في شكل هرمي من خمسة مستويات يبدأ بالاحتياجات الأساسية اللازمة لبقاء الفرد (السلامة والحب والانتماء)، وعندما يتم تلبية هذه الاحتياجات الأساسية يمكن للإنسان الارتقاء إلى الحاجة إلى «التقدير»، قبل وصوله إلى مستوى «تحقيق الذات»، الذي يعتبر جوهر حياته وقمة قدرته على تحقيق إمكانياته الحقيقية.

النظرية ذاتها تنطبق على المدن وقدرتها على توليد السعادة والإنتاجية، فعندما تتمكن المدينة من وضع نظام مستقر وقادر على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان بشكل جيد، فحينها يمكن أن تتطور لتصل إلى مرحلة يتمتع فيها السكان بالحرية لتحفيز الذات.

وتعتبر المدن القديمة، مثل بيبلوس ودمشق وصور والإسكندرية وبغداد، خير أمثلة على المجتمعات التي تتطلع إلى المستقبل، حيث كان يتمتع سكان تلك المدن بمعدلات عالية من السعادة وفترات مستدامة من السلام والازدهار. وبالمقابل، فإن المدينة التي تمعن في البقاء غارقة في الطبقات السفلى من الهرم، فإنها على الأرجح ستشهد تراجعاً، وستولد عدم الاستقرار الاجتماعي.

ويعتبر هذا المنطق بمثابة القوة الدافعة وراء المبادرات الحضرية، التي تطلقها العديد من الحكومات حول العالم، وخاصة تلك التي تحرص على تصميم المدن، التي تتمحور حول سعادة شعوبها، حيث قامت تلك الحكومات بوضع وتنفيذ برامج تطوير حضري، من شأنها تلبية احتياجات الفرد الأساسية وإزالة مختلف العقبات والصعوبات التي قد يواجهها في الحصول على التعليم وفرص العمل المجزية والشعور بالانتماء، ضمن بيئة جميلة وآمنة ومستقرة وبنية تحتية ذات كفاءة وفعالية.

وخلال مراحل نضوج تلك البرامج التنموية، فإنها تصل إلى مستويات ترتبط أكثر وأكثر بحاجة السكان إلى «التقدير»، وتعزز مقدرتهم على الوصول إلى مستوى «تحقيق الذات».

 

المعارضون قد يجادلون بأن التحديات في منطقة الشرق الأوسط هي كثيرة وعميقة جداً، ليتم التغلب عليها عن طريق اللجوء إلى نموذج بناء المدن السعيدة، بيد أنه يتعين أن تكون صعوبة تلك التحديات هي في الواقع الدافع الرئيس وراء تحفيز المدن في منطقتنا لأن تسعى جاهدة لكي تعيد أمجادها ومكانتها الرائدة في تحقيق السلام والتقدم والرخاء، فالنجاح في بناء مدينة سعيدة ليس مجرد حلم بالعيش في مدينة «فاضلة»، بل إنه نظام بيئي حقيقي ومستدام ويمكن تطبيقه على أرض الواقع على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، فإن حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة تسير بخطى حثيثة نحو تحقيق ذلك الهدف على وجه التحديد، فقد بذلت حكومتنا الرشيدة جهوداً دؤوبة في وضع وإطلاق مجموعة من المبادرات التي وفرت نظاماً اجتماعياً واقتصادياً فعالاً ومستداماً، عاد بالفائدة والمنفعة، ليس على مواطني الدولة فحسب، ولكن أيضاً على جميع المقيمين من كل أنحاء العالم.

وعلاوة على ذلك، أصبحت حكومة دبي الأولى في منطقة الشرق الأوسط لتضع «الإنسان وسعادته» على صدارة قائمة أولويات أهدافها الإدارية.

وفي إطار تلك الاستراتيجية، فإن أفضل تجسيد للتطور الحضري الذي تشهده دبي الجديدة، إذا جاز التعبير، يبرز جلياً في «دبي الجنوب»، مشروع المدينة الناشئة التي تمتد على مساحة ضخمة تبلغ 145 كيلو متراً مربعاً، ضمن إمارة دبي وتحتضن مطار آل مكتوم الدولي، التي تتمحور حول سعادة سكانها.

سواء كانت مشاريع بناء مدن جديدة أو تطوير المدن الموجودة، فإنه من المفرح رؤية مبادرات أخرى للتطوير الحضري تنطلق في مختلف أنحاء العالم العربي، بهدف تعزيز الرخاء والراحة، وصولاً إلى تحقيق السعادة للناس.

وتعتبر أعمال الإنشاء الجارية في كل من مدينة القاهرة الجديدة في مصر، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية في المملكة العربية السعودية، والمدينة الزرقاء في سلطنة عمان، أمثلة بارزة من شأنها أن تؤدي إلى تعزيز مستويات الشعور بالإنجاز لدى الشعوب العربية.

إن شبكة من المدن السعيدة التي تتواصل وتتعاون مع بعضها البعض في العالم العربي هي بمثابة بشرى خير بالنسبة للمنطقة وللعالم بأسره، حيث إنها ستسهم عبر مراحل تدريجية واثقة في تحقيق الاستقرار. نحن بحاجة إلى المزيد من المدن السعيدة، لتعمل على تشكيل نواة حقيقية لتوفير الفرص والرخاء، لكي يتمكن أكثر من 422 مليون شخص من الحصول على الفرصة، لتحقيق إمكاناتهم الحقيقية.