تنطلق انتخابات مجلس النواب في مصر، لتكتمل بذلك قبل نهاية هذا العام خريطة الطريق لاستكمال المؤسسات الدستورية، التي تم إعلانها عقب إطاحة حكم الإخوان الفاشي في 30 يونيو 2013.
تأخرت الخطوة الأخيرة بعض الشيء، سواء لأسباب قانونية، وأحكام صدرت بمراجعة بعض القرارات والقوانين التي صدرت بهذا الشأن، أو سبب أهم وهو انشغال مصر بحربها المصيرية ضد إرهاب الإخوان، وبقية الجماعات الإرهابية، التي لم تتوقف حتى الآن، وإن كانت قد تلقت ضربات قاصمة من جيش مصر.
الظروف كلها تقر أن البرلمان القادم لن يكون بالتأكيد هو البرلمان المثالي، الذي يليق بتضحيات الشعب من خلال ثورتين، الذي يحصن البلاد في وجه مؤامرات داخلية وخارجية عديدة، لكن الأمل ألا يكون حجرة عثرة أمام الجهود التي تبذل لتحقيق أهداف الثورة!
الأطراف الرئيسة في هذه الانتخابات ستكون هي حزب النور الممثل للجماعات الإسلامية، رغم خلافه مع الإخوان وحلفائهم والمرشح لحصد ما لا يقل عن 10% من مقاعد البرلمان الجديد، وفي المواجهة يقف «المال السياسي» ممثلاً في كبار رجال الأعمال ،الذين وجدوا الفرصة كاملة في أن يكون لهم موقع مهم في البرلمان الجديد. سواء عن طريق أحزاب أنشؤوها، أو عن طريق مرشحين «مستقلين» مستعدين لبيع ولائهم لمن يدفع، ولمن يحقق خدمات للدوائر، التي يمثلونها تضاف لرصيدهم.
ومعظم هؤلاء ينتمون لعائلات اتبعت هذا المنهج، منذ ما قبل ثورة يوليو وحتى الآن، وعدد كبير منهم كانوا أعضاء في الحزب الوطني «الذي حكم بحله»، ليس عن اقتناع سياسي، ولكن بحثاً عن الوجاهة السياسية، وتحقيق الخدمات المحلية.
ولهذا رأينا ظاهرة لم تحدث من قبل، وهي تصارع بعض الأحزاب التي لا تملك إلا الأموال الطائلة على مرشحين تدعمهم عائلاتهم، ولديهم فرصة كبيرة للنجاح في هذا المناخ. ورأينا مئات الملايين تصرف لاجتذاب هؤلاء رغم وجود قوانين تحدد سقف النفقات الانتخابية، لكن آليات المراقبة غائبة، والحساب يوم الحساب كما يقال!
لم أتوقف عن المطالبة منذ ثورة يناير بأن نبدأ بالقاعدة، وأن تكون الأولوية لانتخابات المحليات بصورة أساسية، ولنقابات العمال والنقابات المهنية بعد ذلك، لكن ضغوط الإخوان ثم توليهم الحكم وقفت عثرة في سبيل ذلك، ثم جاءت 30 يونيو، وكان الاهتمام باستكمال خريطة الطريق وسط ظروف أمنية صعبة جعلت من الانتخابات المحلية مغامرة غير مأمونة حتى وقت قريب.
مجلس النواب القادم لن يكون بالقطع البرلمان المعبر عن روح الثورة، لكن الأمل هو ألا يكون عائقاً في سبيل تحقيق أهدافها! والخطر هنا ليس في صدام غير محتمل مع رئيس الجمهورية، لأن أعضاء البرلمان أو المهيمنين عليه، يعرفون نتائج هذا الصدام! وإنما الخطر في أننا سنكون أمام مجلس نيابي، ينتمي معظم أعضائه للماضي، وينتمي المهيمنون عليه لمصالحهم المالية الخاصة، أو لأهدافهم المعادية للدولة المدنية!
الخطر يكمن في أن من دفع مليار جنيه للهيمنة على نسبة معتبرة من النواب، وحصة معتبرة من الإعلام لا يفعل ذلك لوجه الله والوطن، وإنما يفعله لكيلا يمر تشريع إلا يتوافق مع مصالحه الخاصة، ولكيلا تقر إجراءات تحمي العاملين من بطش إدارات ظالمة، ولكيلا يحاسب على ما وقع من جرائم، وما تم سلبه من المال العام في عهود سابقة، ولكي يسيطر «لوبي الفساد القديم» على ما يحمي فساده، حتى لو كان الثمن أن يتحالف مع المتاجرين بالدين، وأن يدفع لهم الثمن، كما حدث في برلمان ما قبل الثورة، وفي صفقات الحزب الوطني المنحل مع جماعة الإخوان الإرهابية!
المشكلة الآن أن من يزعمون أنهم ليبراليون سلموا قيادتهم لرأس مال يعرفون مصادره الفاسدة، وأن من يتاجرون بالإسلام يصرون على عدم الفصل بين الدين والسياسة، ويعتبرون ذلك إثماً لا يغتفر، وأن اليسار ضائع، وأن التحالف الوطني المطلوب لقيادة المرحلة مازال غائباً أو معطلاً!
لا أحد في مصر يأمل بأن يكون مجلس النواب القادم هو برلمان الثورة، لكن المهم ألا يقف عقبة في سبيل تحقيق أهدافها.