بالتأكيد نحن نعيش في مرحلة من أصعب المراحل، التي مرت بها الأمة العربية في عصرها الحديث. أزمات وحروب، وصراعات داخلية أسقطت دولاً وتهدد أخرى، ومؤامرات لم تعد خافية من قوى دولية، وإقليمية تريد الهيمنة على المنطقة، وإرهاب لم يسبق له مثيل تم إطلاقه على المنطقة، ليستنزف قواها وليدخلها في صراعات مذهبية.

ومع ذلك فلا ينبغي أبداً أن نفقد الأمل في قدرتنا على تجاوز هذه المرحلة بكل صعوباتها وتحدياتها، ولنتذكر فقط أنه قبل عامين كانت مصر تكافح من أجل البقاء، ولنتذكر أنه قبل عام كان اليمن يسير نحو ما خُطط لها، ليكون العاصمة العربية الرابعة، التي تقع تحت نفوذ إيران، كما صرح زعماء الحرس الثوري، وهم يتباهون بما فعله صالح، وزعماء الحوثيين بإسقاط النظام الشرعي، والسيطرة على صنعاء.

مصر تم إنقاذها بثورة شعبها، وبتأييد الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية والإمارات. صحيح أن الأمور مازالت صعبة، وإرهاب الإخوان والدواعش مازال يحاول أن يبقى على قيد الحياة، ولكنه يتلقى أقوى الضربات من جيش مصر.

واليمن الشقيق أنقذته مقاومة شعبه، وقوات التحالف العربي من المصير الذي كان يراد له، ومهما كانت الأوضاع هناك فقد أدركت إيران أن «العملية» قد فشلت، وأن اليمن سيبقى عربياً، وأن الشرعية لا بد أن تنتصر، وأن أهل اليمن سيصلون معاً للحل الذي يسقط المؤامرة نهائياً. صحيح أننا دفعنا..

ـ ولانزال ـ الثمن غالياً، وليس أغلى من دماء الشهداء من أعز أبنائنا، الذين سقطوا وهم يدافعون عن عروبة اليمن، والذين يقاتلون من أجل أن يبقى اليمن حصناً عربياً ودرعاً تحمي الخليج ولا تهدده، امتزجت دماء شباب الإمارات والسعودية والبحرين مع دماء أبناء اليمن وهم يضربون المؤامرة، ويقولون لمن توهموا أنهم قادرون على رفع أعلامهم الأجنبية في اليمن العربية «لا».

وصحيح أن الإرهاب الإخواني الداعشي مازال يحاول أن يبقي على بعض مواقعه وخاصة في سيناء على الحدود الشرقية، وفي الصحراء الغربية على حدود ليبيا، لكن الحرب ـ مهما حاولوا إطالتها ـ محسومة لصالح مصر وجيشها وأجهزة الأمن والشرطة، التي دفعت مئات الشهداء في معركة مازالت مستمرة، لأن من خططوا ودفعوا ومولوا ودعموا حكم إرهاب الإخوان، وأرادوا تعميمه على العالم العربي، لا يريدون أن يستوعبوا الصدمة حتى الآن.

وصحيح أن سوريا والعراق وليبيا مازالت جروحاً تنزف في الجسد العربي، ومأساة تذكرنا كل يوم بجرائم كبرى، ارتكبت في حق شعوبنا العربية، ولم يحاسب عليها حتى الآن ـ كما تذكرنا بأن إنقاذ هذه الدول العربية الشقيقة ليس أمراً قابلاً للمساومة، بل هو فريضة وطنية على كل من أراد أن يحمي وطنه ..

وألا يرى أبناء دولته يعانون ما يعانيه الأشقاء في هذه الدول، التي نجحت المؤامرة في تحويلها لساحات لتصفية حسابات دولية، وإقليمية من دماء شعوبها، واستقرار دولها. نحن الآن نملك ما كنا نفتقده عهوداً طويلة، وهو «المعرفة» بما يدور حولنا، وبما يخطط لنا. نحن الآن نملك اليقين بأن الاعتماد على قوى خارجية مهما كانت لا يوفر الحماية..

ولا يضمن الاستقرار. كل الأنظمة التي سقطت كانت تحتمي بدول كبيرة تخلت عنها أو حتى تآمرت لإسقاطها حماية لمصالحها، وتنفيذاً لمخططاتها التي اكتشفت فجأة أن هناك «إرهاباً معتدلاً»، وأنه يتمثل في «الإخوان»، وأنهم حلفاء المستقبل (وفي الحقيقة هم عملاء الماضي والحاضر كما كشفت الوثائق في لحظات سقوط الأقنعة).

واتصالاً بما سبق، فنحن نعرف الآن أن مستقبلنا بأيدينا وحدنا دونما الاعتماد على القوى الكبرى، ولا التحالف مع القوى الإقليمية، مستقبلنا بأيدينا ليس الرد فقط على من ظنوا أن الرضوخ للدول الكبرى سوف يحميهم، ولكنه الرد الذي اكتسب مصداقيته بعد نجاح 30 يونيو في مصر، رغم العداء الأميركي لها، وبعد أن قال السيسي علناً لأوباما: إن مصر لن تنسى من وقف ضدها..

ومن أيد ثورة شعبها! ثم بعد ما تحقق من نجاح بعد ذلك في مقاومة الإرهاب وتحقيق الاستقرار رغم الحصار الأميركي، لتضطر واشنطن بعد ذلك للتعامل مع الواقع الجديد. أيضاً يكتسب الأمر مصداقية أكبر في عملية إنقاذ اليمن، التي قام بها التحالف العربي بقيادة السعودية، في وقت كانت واشنطن ترفع يدها عن المنطقة، وتفرغ جهودها لإتمام صفقتها مع إيران!

ثقتنا بأنفسنا تتأكد، وقدراتنا على مواجهة التحديات تكبر، وامتلاكنا روح المبادرة، التي افتقدناها طويلاً عادت.