الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» لا تحدث تأثيرها المنشود، وعندما بدأت قبل ما يزيد على العام، اعتقد الكثير من السوريين وأنا من ضمنهم، أنها ستكون خطوة باتجاه وضع حد للفظائع في سوريا، وحسبنا أنها ستكفل انتزاع «داعش»، وظننا أنها ستضع نهاية لوحشية الرئيس السوري بشار الأسد، ولكن اليوم يواصل التنظيم كسب أراض جديدة في سوريا..

بينما تواصل قوات الأسد قتل المدنيين على نحو وحشي. وإذا لم تبادر الولايات المتحدة وحلفاؤها بتصحيح المسار سريعاً، فإن هناك مخاطرة بأن التدخل العسكري الشامل والمكلف هو وحده الذي سيلحق الهزيمة بـ«داعش».

التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يركز على نحو أضيق مما ينبغي، على استراتيجية «داعش» وحده. ووحشية الأسد ضد شعبه تستخدم كأداة للتمجيد لصالح التنظيم الذي ينظر إليه البعض باعتباره بديلاً للأسد أو مصدر حماية منه.

وبينما يركز باقي العالم على «داعش»، فإن الواقع هو أن الأسد يقتل الآن أعداداً أكبر بكثير من المدنيين، ووفقاً لمركز توثيق الانتهاكات، فإن القاتل الأكبر للمدنيين السوريين هذا العام قد تمثل في القنابل البرميلية وغاز الكلور الذي تسقطه طائرات الأسد الحربية. ويواصل النظام السوري تكثيف استخدام هذه القنابل وهذا الغاز على نحو ما شوهد في القصف الوحشي الأخير لسوق دوما، الذي أسفر عن مقتل ما يزيد على مائة مدني.

وقد أفضى رفض لتحالف الدولي توفير حماية من قنابل الأسد البرميلية إلى مصرع ما يزيد على 12 ألف نسمة منذ استخدام هذا السلاح الفج، ولا يجري إلا تشجيع الأسد على تكثيف استخدام القنابل البرميلية لأنه لا يواجه أي عواقب عن جرائمه. والسوريون لا يرون عدالة ولا محاسبة في أزمة شهدت مصرع ما يزيد على ربع مليون شخص، وتشريد نصف سكان البلاد. وقد دفع هذا الشكل الجديد من الوحشية السوريين إلى الابتهال من أجل منطقة حظر جوي.

ما من سوري عادي يرغب في رؤية تدخل أجنبي في بلدنا، ولكن الأزمة في سوريا تتجاوز ما هو عادي، وهي لم تعد قضية سورية محلية، وإنما غدت قضية دولية، واللاجئون السوريون يهربون إلى خارج حدود سوريا، وتهديد تنظيم «داعش» هو تهديد عالمي.

من شأن إقامة منطقة حظر للطيران في سوريا أن تخاطب القضايا الجوهرية التي تواجه كلاً من السوريين والناس في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط بمعناه الأوسع نطاقا ومناطق أخرى. ولسوف توقف قتل مدنيين سوريين لا حصر لهم أسبوعيا، وستساعد في التخفيف من حدة المعاناة بإيجاد مجال يمكن فيه تسليم المساعدات الإنسانية بشكل أكثر أمناً في معظم الأحيان. ومنطقة الحظر هذه سوف تبطئ من دفق خروج اللاجئين من سوريا.

ستؤدي منطقة حظر الطيران في سوريا إلى خنق مسار مركزي للتجنيد لـ«داعش» بإظهار أن الغرب معني بحماية السوريين، وسوف توقف بشكل مؤثر استخدام القنابل البرميلية، وهكذا يمكن أن تغير حسابات الأسد العسكرية بحيث يجبر على دخول مفاوضات واقعية حول الانتقال السياسي الذي وافق عليه المجتمع الدولي بما في ذلك روسيا..

ومن شأن إقامة منطقة الحظر الجوي تحقيق هذا كله، بل إن مجرد التهديد بإنشاء هذه المنطقة في سوريا يمكن أن يكون كافياً لتحريك الأزمة السورية باتجاه حل سياسي.

إن فرض منطقة حظر جوي من البحر وليس من الجو لن يقتضي ضربات استباقية ضد دفاعات النظام السوري، وعلى الرغم من توافر هذا الخيار، فإن البعض في المجتمع الدولي لا يزال يتردد في الإقرار بفوائد منطقة الحظر الجوي، وهم يشعرون بالقلق من أن مثل هذه المنطقة هي منزلق يفضي إلى تدخل أوسع نطاقاً،..

وهم يبدون قلقهم من أنه لدى الإعلان عن منطق للحظر الجوي، فإن مشكلة سوريا ستصبح مشكلة المجتمع الدولي، ولكن هذا المجتمع متورط بالفعل في سوريا، فالطيران الدولي يحلق فوق الأراضي السورية، والأزمة الإنسانية هي مشكلة بالنسبة للجميع.

إن الجهود الراهنة لا تحدث التأثير المنشود منها لأنها لا تخاطب القاتل الأساسي والدافع الرئيس للأزمة، وهو هجمات الأسد على المدنيين السوريين. وإذا واصل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة اتباع نهج «داعش» فقط المكلل بالفشل، واستمر في إهمال جوهر المشكلة، فإنه سوف يستديم سفك الدماء ويزيد من قوة «داعش».

إذا سمح للأزمة بأن تتواصل، فإن الولايات المتحدة وأوروبا ستظلان معرضتين للضربات والهجمات من قبل «داعش»، هذا هو السر في أن الغرب بالفعل على منزلق يفضي إلى التدخل العسكري، وإنشاء منطقة الحظر الجوي يعد الخطوة الأولى نحو تجنب تلك النتيجة الكارثية التي لا يرغب في رؤيتها الغرب ولا السوريون.