رايتلينغر وشغفه بالخزف الإسلامي

ولد الفنان والرحالة الباحث جيرالد رايتلينغر في عام 1900، وهو ابن مصرفي ثري. تلقى تعليمه في كليتي «وستمنستر» و«كرايست تشرش» في جامعة أكسفورد، ثم انتقل للدراسة في «مدرسة سليد لفنون» في «يونفرستي كولدج» بلندن.

ترك الرسم لأنه اعتقد أنه لم يكن يتقنه بشكل كافٍ، لكن استمر في اهتمامه بالفنون. ولقد اكتسب شغفاً بالخزف الإسلامي، أثناء زيارته إلى الشرق الأوسط في عام 1930، واصفاً رحلاته تلك في كتاب بعنوان «برج الجماجم».

شارك في الحفريات الأثرية في العراق، وذلك في كل من كيش والحيرة. والخزفيات التي عثر عليها خلال عمليات الحفر المرتبطة بسامراء، احتوت على خزف من الأبيض الصافي ذي الجودة العالية، وكانت صناعة هذا الخزف رائجة في العراق في تلك الأوقات.

عاش رايتلينغر في بيت ريفي إنجليزي نموذجي في مقاطعة «ساسكس»، لكن المنزل كان مليئا بالخزفيات. ولم يكن رايتلنيغر جامع تحف فنية يؤمن بإخفاء كنوزه في صناديق. ففي كل الغرف وعلى كل الرفوف المتوفرة، كانت هناك مزهريات وزجاجيات وأطباق وزبديات صينية ويابانية متدلية من الجدران بأسلاك. بيد أن مصدر فخره وفرحته كانت مجموعته الإسلامية.

كان للمجموعة بأسرها مظهر مؤقت: فالأوعية والأواني الهامة تحديدا كانت موجودة في صناديق مغطاة بقماش أحمر، فرايتلينغر كان رجلا حذرا بالفطرة، ولم يكن ينفق الكثير على خزفياته، مفضلا قطعاً مكسورة أرخص ثمنا من قطع لم يجر المساس بها. وقام بكل أعمال الترميم بنفسه، لذا كانت هناك أجزاء كبيرة مغطاة بالطلاء الذهبي في غالبية الأواني الخزفية، وهو نوع من الترميم كان يمارس من قبل اليابانيين باستخدام «اللك» حيث يجري العمل بعناية على إخفاء شقوق أو أجزاء مفقودة بالذهب.

وهذا الأمر تعكسه عملية استحواذه على أعداد كبيرة من الأواني والقطع الخزفية من «وارمين» ما يعرف بخزف المرحلة «الانتقالية» في ايران، والتي تم تصنيعها في أفران لا يعرف موقعها في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. في عام 1983، نشر رايتلينغر مقالة في مجلة «آرس اسلاميكا» ناقش تلك الفترة المبهمة من تاريخ الخزف، مظهراً تأثير الصين، والعلاقة الوثيقة بين تصميم «وارمين» والأواني والقطع الخزفية السورية العراقية لتلك الفترة. وهذه الدراسة الرائدة لا زالت المرجع الوحيد لهذا الموضوع الشائك.

أما الميل الرئيسي الآخر في مجموعته فيتجه نحو خزف الرقة السوري، وهذه تعد مجموعة مهمة أخرى من الخزف غير المعروف كثيرا.

وخزفيات الرقة التي تم ابتداعها في أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، كانت مهملة، وذلك يعود في جانب كبير منه إلى أن كثيراً من النماذج التي وصلت إلى الغرب كانت مهشمة بشكل رهيب.

وخزفيات الرقة أنتجت أواني وقطعاً بأشكال وتقنيات متعددة، لكن المفضلة لدى رايتلينغر، وتلك التي يعد تزيينها في الواقع الأكثر إبداعاً، كانت الأواني المصقولة تحت طلاء شفاف أو ذات لون أزرق فيروزي فاخر. وفي هذه المجموعة، جرى تزيين الزبديات في الغالب بصور طيور أو حيوانات.

لكن ما هو مختلف في الرقة هو أسلوب تصويرها، حيث لا تظهر الحيوانات الجامدة والمؤسلبة لخزفيات العصر الفاطمي.

ورايتلينغر جمع أيضا نماذج عديدة من الخزف ذي البريق المعدني الذي تم ابتداعه في الرقة منذ حوالي 1200 ميلادي، والكتالوج الخاص بمجموعة رايتلينغر تم نشره من قبل قاعة «بوند ستريت» التابعة لشركة سوثبي.

وحبه للخزف السوري امتد أبعد من الرقة. فقد جمع نماذج رائعة من الخزفيات الزرقاء والبيضاء من القرنين الرابع عشر والخامس عشر بموضوعات خاصة بالشرق الأقصى، بالتركيز مجدداً على الروابط بين سوريا والصين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات