00
إكسبو 2020 دبي اليوم

شبح المخدرات الرقمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

جرت العادة أن نسمع عمن يتعاطون المخدرات بمختلف أنواعها، وما يعيشونه من معاناة وتدهور نفسي وجسماني، وكيف تتحول حياتهم إلى أسوأ حال، لكن ما سأتكلم عنه اليوم هو نوع آخر من المخدرات، ظهر وبدأ يأخذ مكانه بين المدمنين، إنها المخدرات الرقمية، وهي عبارة عن ترددات صوتية مماثلة تقريباً يتم الاستماع إليها من خلال سماعات الأذن أو مكبرات الصوت، ويقوم الدماغ بدمج الإشارتين، ما ينتج عنه الإحساس بصوت ثالث فيقوم الدماغ بإنتاج موجة تردد أخرى يتم من خلالها إحداث تغيرات في نشاط الموجات الدماغية، هذه الأصوات قادرة على تغيير أنماط موجة الدماغ، بتوليد حالة مماثلة لما تفعله المخدرات الكيميائية، أو خلق حالة عميقة من التأمل.

فهذا النوع من المخدرات عبارة عن ملفات صوتية (إم بي3) تتكون من نغمات خاصة، ويحدث تأثيرها عند الاستماع بوساطة السماعات لنغمتين متقاربين في التردد، لا يستطيع المستخدم التمييز الجيد بينهما، لكن عبر السماعات يستطيع الاستماع إلى نغمتين معزولتين في كل أذن، وقد أثبتت الدراسات أن لهذه الملفات الصوتية تأثير المخدرات، بحيث يعادل أثر الاستماع لها تدخين سيجارة من الحشيش.

وباختصار شديد، فالمخدرات الرقمية هي ملفات صوتية وأحياناً تترافق مع مواد بصرية وأشكال وألوان تتحرك وتتغير وفق معدل مدروس، تمت هندستها لتخدع الدماغ عن طريق بث أمواج صوتية مختلفة التردد بشكل بسيط لكل أذن، ولأن هذه الأمواج الصوتية ليست مألوفة يعمل الدماغ على توحيد الترددات من الأذنين للوصول إلى مستوى واحد، وبالتالي يصبح كهربائياً. وحسب نوع الاختلاف في كهربائية الدماغ يتم الوصول إلى إحساس معين يحاكي إحساس أحد أنواع المخدرات.

كل نوع من الأمواج الصوتية والترددات يقوم باستهداف نمط معين من النشاط الدماغي، ويتعلق الأمر بمدة التعرض والظروف المواتية له وأحياناً يتم الاستعانة بالبصر لزيادة تحفيز الدماغ، حيث إن الجانب المخدر من هذه النغمات يكون عبر تزويد طرفي السماعة بدرجتين مختلفين من الترددات الصوتية، ويكون الفرق ضئيلاً يقدر بـ30 هيرتزاً، وهي وحدة قياس الترددات، لذلك يشدد القيمون على أن تكون السماعات ذات جودة عالية ومن النوع ذي الصوت العالي كي تحقق أعلى درجات التركيز، والفارق بين طرفي السماعة هو الذي يحدد الجرعة.

ومن مخاطر استخدام المخدرات الرقمية أو كما يطلق عليها علمياً (بالنقر متباين التردد على الأذنين) انخفاض في كفاءة الذاكرة قصيرة المدى الخاصة بالاسترجاع السريع للمعلومات، كما أن بعض الدراسات وجدت أن الأشخاص الذين خضعوا لتقنية النقر متباين التردد زادت لديهم معدلات الاكتئاب بعد فترة من الوقت، ويرتبط الاستخدام المنزلي لهذه التقنية بخطر حدوث خلل في الجهاز السمعي لا سيما مع عدم نجاح الشخص في الحصول تأثير انتشائي، ما يدفعه إلى زيادة درجة الصوت وقوة التردد وهو ما ينعكس سلباً على الجهاز السمعي، كما أن استخدام هذه التقنية من قبل الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة جيدة من التركيز والقدرة على الإبداع يؤدي إلى تدهور قدرات هؤلاء الأشخاص.

وقد أكد مستشار اللجنة الطبية في الأمم المتحدة طبيب الأعصاب الدكتور راجي العمدة أن هذه الذبذبات والأمواج الصوتية تؤدي إلى تأثير سيئ في المتعاطي على مستوى كهرباء المخ، كونها لا تشعر المتلقي بالابتهاج فحسب، بل تسبب له ما يعرف بالشرود الذهني، وهي من أخطر اللحظات التي يصل إليها الدماغ، حيث تؤدي للانفصال عن الواقع وتقليل التركيز بشدة، ويحذر الدكتور راجي من التعرض لهذا التغيير في اختلاف موجة الكهرباء في الدماغ وتكراره، الشيء الذي يؤدي إضافة للحظات الشرود إلى نوبات تشنج عند المرء، وهذا ما يمكن تأكيده من خلال مشاهدة بعض مقاطع الفيديو التي تظهر شباباً يستمعون للموسيقى وبعد مرور فترة زمنية يبدؤون بالهلوسة والارتجاف والتشنج وتسارع التنفس ونبض القلب.

هناك مواقع متخصصة تقوم ببيع هذه النغمات على شبكة الإنترنت، دون وجود رقابة رسمية أو حظر لمثل هذه النغمات في الوقت الحالي، ويتم ترويجها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً مقابل القليل من الدولارات، إلى جانب إمكانية الحصول عليها عبر اليوتيوب بشكل مجاني.

وكي لا يقع أبناؤنا فريسة لهذا النوع من المخدرات يجب عدم وضع جهاز الكمبيوتر في غرفة الأطفال بل يجب أن يكون في مكان مفتوح قابل للرقابة، كما يجب تشجيع الأبناء على الاندماج في الأنشطة الاجتماعية والتطوعية لتفريغ طاقاتهم بشكل إيجابي، ما يمنحهم شعوراً بتقدير الذات، وتوعية الشباب بأن موضوع المخدرات الرقمية هو مجرد وهم يؤدي لفقدان المال والإضرار بالجهاز السمعي ليس إلا، وإيجاد تعاون دولي قوي لتحديد مصادر هذه المواقع والعمل على ضبط مروجيها واستهداف المدارس والجامعات بالتوعية من خلال التنسيق مع إداراتها، وأيضاً تطبيق توعية مبتكرة تتناسب مع الشباب والتواصل مع الأسر وتدريبها على فرض نوع من الرقابة الذاتية على أبنائها.

ندعو الله عز وجل أن يحمي شباب أمتنا من كل وهم يفتك بهم أو يقضي على زهرة شبابهم وحيويتهم، فهم عتاد الأمة ومستقبلها.

 

طباعة Email