فن القرميد الإسلامي بريق يواصل الحضور

على امتداد ألف عام تم إبداع القرميد الخزفي لجميع أرجاء العالم الإسلامي، من العراق في القرن التاسع، إلى تركيا في أزمنة لاحقة. وتميز هذا القرميد الذي يدعى أيضاً بالآجر، بالثراء البالغ في تصميماته وألوانه.

وكان يستخدم لزخرفة المساجد والقصور والمزارات وكذلك الدور الخاصة. وفي عهود لاحقة تأثر الفنانون والمصممون الأوروبيون كثيراً بهذا الشكل الفني.

ويرتبط تاريخ القرميد الإسلامي على نحو وثيق بإبداع الآنية وأدوات المائدة الخزفية وخاصة في الروائع الخزفية التي أبدعت في عهود السلاجقة والمماليك والعثمانيين.

ومن الصعب تقدير نطاق ورش إبداع الخزف أو تحديد الكيفية التي نظمت بها، وكانت وحدة الإنتاج الأساسية في صناعة القرميد والآنية الإسلامية هي العائلة الصغيرة التي تقوم بتشغيل ورشة تقع في منطقة تتوافر بها الأدوات الضرورية لمهنتها والسوق الذي يمكن أن تروج فيها منتجات هذه الصناعة.

وغالباً ما كانت ورش العائلات الصغيرة من هذه النوعية تجتمع في بلدة أو مدينة بعينها وتشكل وحدة لهذه الصناعة وتتقاسم في هذه الورش الأساليب الفنية والأسرار التجارية التي كانت تنتقل من الأب إلى الابن لضمان استمرارية العائلة. وعندما كان التغيير والانقطاع يحلان، فإن ذلك كان في الغالب نتيجة لنشوب الحروب أو وقوع الغزوات عندما كان الخزافون ينقلون بعيداً ويجبرون على العمل لخدمة سادة جدد.

كانت هذه الورش تعمل في ظل نظام تراتبي صارم يأتي على رأسه الأستاذ أو معلم المهنة أو مبدعها الذي كان يحرص على الحفاظ على أسرار مهنته، وهذه الورشة المفعمة بالدفء حققت كذلك وظيفة اجتماعية باعتبارها المكان الذي يلتقي فيه رجال من البلدة ويجلسون سوياً في الأصائل والأمسيات.

أثر القرميد والخزف الإسلاميان تأثيراً عميقاً في أوروبا، وكان إدخال البريق اللامع في الخزف إلى الأندلس الخطوة الأولى في التقاليد الهسبانية - المورستية في الخزف التي نراها في الأواني والأدوات الرائعة الموجودة في غرناطة وبلنسيا وغيرها.

وفي وقت لاحق، تم تبني أسلوب البريق القصديري في أجزاء أخرى من أوروبا، وكان الإبداع الخزفي الإيطالي هو نتيجة انتشار الأساليب الفنية ونمط التنظيم في الأراضي الإسلامية. في القرن التاسع عشر عايشت أوروبا افتتاناً متجدداً بالفن الإسلامي وبصفة خاصة الخزف والقرميد، وأدى الولع بالسفر للأراضي التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس إلى إدخال خزف تركيا وقرميدها إلى الغرب.

وروائع القرميد التي أصبحت من التحف الفنية التي يتم اقتناؤها، كانت تنزع من الدور القديمة في سوريا وفلسطين لكي تباع في أوروبا، وفي وقت لاحق أصبحت الأعمال الفارسية ذات البريق صرعة رائجة، وهناك سمة مشتركة بينها وبين روائع القرميد المقبلة من كل هذين الإقليمين بالنسبة لهواة جمع التحف وهذه السمة شكلت لوحات مكتملة وأيضاً الموضوع الزخرفي الواحد.

 وفي المغرب نجد فن الزليج لا يزال نابضاً بالحياة إلى حد كبير، ويواصل مبدعوه تطوير فنهم في إطار تقليد مميز. وقد خاطب فن القرميد العثماني خيال فناني القرن التاسع عشر ومبدعيه. كذلك كان الاهتمام كبيراً بالخزف الإسلامي في انجلترا وفرنسا بحيث شرع عدد من الخزافين في استنساخ هذا الفن على نحو ما يتجسد في التصميم والبريق وفي التحف الفنية في دمشق وأضنة.

يعد تنوع القرميد في العالم الإسلامي اليوم أكبر منه في أي وقت مضى، وقد باشر عدد من الفنانين في الشرق الأوسط إبداع أشكال جديدة من القرميد الخزفي باستخدام التقليد القديم، ويقتني المتحف البريطاني وغيره من المتاحف الأوروبية مجموعات كبيرة من هذا الشكل الفني الرائع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات