في زيارتي الأخيرة للقارة الصفراء، ازددت يقيناً عن مثيلاتها من الزيارات بأن النجم الآسيوي قد سطع، والفجر الشرقي قد أطل، أدهشني المكان قبل الإنسان، والإنسان أكثر من المكان.
مرافق حيوية متقدمة وخدمات متطورة، وإنسان طيب متحضر أخلاقياً ووطنياً. إنني أكتب هنا عن أعجابي مقارناً بسنوات طوال عشتها في ما يعرف بالدول المتقدمة، كما يحلو لها أن تصنف نفسها. إنني أروي تفاصيل انبهاري بتفاصيل دقيقة مختلفة وجدتها في ماليزيا والهند والصين وهونغ كونغ وتايلند تباعاً.
لقد وجدت مطارات راقية وحديثة ومكيفة وقطارات أنفاق تحقق أعلى معايير السلامة والحداثة والنظافة. وجدت إنساناً بشوشاً خلوقاً يبادرك بتحية قومه في كل مكان. أذكر أني كلما دخلت محل البقالة الصغير بجوار فندقي يبادرني العامل بانحناءة لطيفة وعبارة سلام أنيقة. يحاول الجميع مساعدتك رغم الحاجز الهائل للغة. يمازحك الجميع وكأنك فرد منهم.
إن دول آسيا شيدت الإنسان قبل المكان، وأخذت من عبق الماضي وأصالته طاقة تدفعها للمستقبل دون انسلاخ من قيم المحبة والتلاحم المجتمعي وحب الأرض.
إن العامل بصمت يجعل العالم يتحدث عنه، فمن ذا الذي يعلم في شرق آسيا بهذا المقال في غربها، ولكن الذي يعتمد الضجة والبهرجة دون واقع ناطق لا يلبث أن يكشف حاله مع أول زيارة. لقد اعتمد العالم الغربي على تصدير القوانين والأنظمة، ولكنه غفل عن استيراد الحداثة والتطور وتوثيق الوطنية تجاهلاً منه أو نسياناً، وربما «للتوفير».
أذكر إمكانية الوصول للإنترنت من رؤوس جبال الهند واستحالة الاتصال طوال خط قطار عام في أحد الدول الأوروبية. ولا أنسى اضطراري لإنهاء حديثي مع صديقي داخل مترو أنفاق دولة متقدمة لاستحالة سماعي لنفسي ناهيك عن سماعه لي، وبالمقابل عدم شعوري بضجيج القطار في مملكة تايلند.
أذكر ضياعي في القطار ومحاولة تخميني للمحطة المقبلة، كما أذكر جيداً الخريطة الإلكترونية المضيئة في قطارات قوانتشو الصينية، ولا أنسى محاولتي تذكر رقم هاتفي الجديد في دول العالم الجديد والاتصال بصديقي ليسجل الرقم، ولكن صديقي لا يعرف رقمه، وفي المقابل يقوم العامل التايلندي بإلصاق قصاصة تحوي الرقم في ظهر الهاتف. وكيف أغفل عن الأعطال الدائمة والتأخير غير المبرر الذي قد يصل لساعات للقطارات في لندن عاصمة العالم بشكل شبه أسبوعي، ولا أغفل عن دقة المواعيد في ماليزيا والرقم الصادم لمعدل التأخير السنوي للقطارات في اليابان، الذي بلغ 13 ثانية فقط!
قد يقول البعض إنني متحامل وإنني مصاب بالـ«غربوفوبيا»، وإن الدول المذكورة بها الكثير من المساوئ، ولكني أقول إنني أقارن العواصم بالعواصم ولو ذكرت الأحياء والقرى لصدمتم. إنني لا أذكر قوة الاقتصاد الوطني ولا الثروة القومية ولا دخل الفرد لأنها مقارنة مجحفة، ولكني أقارن ما بذله الاقتصاد القوي لوطنه، وما بذله الاقتصاد الضعيف لوطنه.
من وجهة نظري، أرى أنه من الأولى للعالم الغربي التخلي عن بعض غروره، والتوقف عن التغني بأمجاده التي قد خلت، والعمل على توفير كل ما هو مبدع وجديد لحياة الإنسان وإعادة بناء حب المكان.
أنا فخور بحكومتنا الرشيدة وأخذها الإبداع من مصدره، فالتكنولوجيا والتقنيات من الشرق والقوانين والأنظمة من الغرب مع وضع بصمة وطني على هذا وذاك. إننا شعب في تحد مستمر للذات قبل الغير، ولذا نحن في سعي دؤوب للتعلم، وتحصيل كل ما هو جديد دون غرور أو اكتفاء، فمتى ما قال الإنسان قد علمت فهو جاهل.
أدعوك أخي القارئ إلى زيارة آسيا، ومعايشة حب الأرض، والعمل في كل المجالات خدمة للوطن. وثق تماماً بأنه توفير لمالك واستمتاع بوقتك وتبسيط لإجازتك.. توجه شرقاً.