عمار يا مصر

نادراً ما يصعب على المرء التعبير عما بداخله من مشاعر أو أحاسيس، ومثل هذه المصاعب لا نواجهها إلا في الأحداث الكبيرة. وهذا ما شعرت به عندما تابعت وحاولت أن أسجل مشاعري في اللحظات، التي كنت أتابع فيها مراسم افتتاح قناة السويس الجديدة في أرض الكنانة وبلد العروبة مصر الحبيبة، مصر التي تسكن في قلب وعقل كل عربي محب لوطنه ودينه وعروبته، فمن منا لم ينشد «بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي»، ومهما قلنا وتحدثنا عن مصر فلن نفي أم الدنيا حقها.

إن تعاطفنا مع الشعب المصري نابع من حبنا لمصر وشعبها الطيب الودود، نريد لها ولأهلها الأمن والأمان واستقرار الأوضاع، وتضافر جهود شعبها، الذين وصفهم سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بأنهم في رباط إلى يوم الدين، نريد منهم أن يتعاونوا ويترابطوا ويتضامنوا لدحر الشر عن بلدهم أم الدنيا وتأمين سلامتها والمحافظة عليها، جميعنا على ثقة كبيرة في قيادة فخامة رئيس الجمهورية، وعلى يقين بأن الشعب المصري سيدعمه، ويقف إلى جانبه بعزيمة وهمة وإصرار وتفان وإخلاص من أجل خير مصر العروبة، نحن على ثقة تامة في قدرة الشعب المصري على الوقوف صفا واحداً مترابطين من أجل أمن وسلامة مصر، ومن أجل ازدهارها، ومن أجل نيلها ومحافظاتها والحفاظ على كيانها.

 

قرأنا الكثير عن مشروع قناة السويس قبل وأثناء تنفيذه، وقرأنا الكثير عن الملاحم الوطنية المصرية التي يسجلها التاريخ، لكن القراءة شيء ورؤية العين وإدراك الواقع شيء آخر. المتابعة جعلتني أسترجع القراءات وأربطها بالواقع، فوجدت نفسي أمام ملحمة وطنية عظيمة، فما هذا الشعب الذي برغم ظروفه الصعبة وضائقة بلاده المالية وتباطؤ عجلة الإنتاج، يلبي طلب قيادته ويجمع 64 مليار جنيه في أسبوع لحفر القناة خلال أقل من عام، الأمر الذي أذهل العالم مثلما أذهلنا.

إنها ملحمة وطنية حقيقية وصادقة، تؤكد أصالة هذا الشعب المصري وحسن بصيرة قيادته، وتضيف مشهداً جديداً لسجلات الفخر والزهو ليس لأبناء وأحفاد المصريين وحدهم، وإنما لكل عربي وكل محب للإنسانية ورفاهية الشعوب العربية والإسلامية والعالم.

قناة السويس الجديدة ليست مجرد مشروع سيعود بالخير الوفير على مصر وحسب، وإنما هي طاقة نور وأمل لكل مصري وكل عربي، فالمشروعات الكبيرة تمنحنا الطاقة الإيجابية وترتفع بروحنا المعنوية إلى درجات تشعرنا بالسعادة وليس الإجهاد كلما ضاعفنا العمل، وهذا ما يحتاج إليه المصريون في الوقت الحالي هو مضاعفة العمل بروح معنوية عالية علو السد العالي من أجل مصر، الذي يطالبهم به السيسي في كل حديث وكل خطاب، فهذا الشعب الذي أصابه اليأس في فترة من الزمن قادر على إضافة المزيد من الإنجازات التي يمكن إضافتها لعجائب الدنيا، المصريون قادرون على استثمار هذه الطاقة الإيجابية في العمل بمعنويات عالية وروح وثابة قادرة على تجاوز الزمن مثلما حدث في حفر القناة، وإنا على يقين بقدرتهم على تنفيذ مشروع محور القناة، الذي من المنتظر أن يدر على مصر أكثر من مئة مليار سنوياً، في أقل من عشر سنوات، فهم قوم إذا أرادوا فعلوا، وهم بحاجة الآن إلى أن يفعلوا وبصدق من أجل رقي مصر التي نحبها جميعاً.

قناة السويس الجديدة التي وصفتها صحف بلجيكا «بضربة معلم»، وذكرتنا بذات الوصف الذي قيل عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما قرر تأميم قناة السويس الأولى عام 1956، رداً على رفض البنك الدولي تمويل مشروع بناء السد العالي، هذه القناة الجديدة التي تعد واحدة من أعظم الهدايا التي تقدم للعالم أجمع، حملت إلى العالم أيضاً رسالة هامة جداً وهي أن الإرهاب لن ينال أبداً منها، وأنها قادرة على مواجهته ودحضه والقضاء عليه بإذن الله، لأنها محمية بأمر الله، وهو العلي القدير من يهدي قيادتها وأهلها إلى فعل الصواب في مواجهة الإرهاب، وعندما يتذكر العالم أن المصريين حفروا القناة الجديدة في ظروف غير طبيعية من الناحيتين الاقتصادية والأمنية، فسوف يتأكد من أن مصر ستبقى دوماً رسالة سلام إلى العالم.

إن افتتاح قناة السويس الجديدة أسعدنا وأفرحنا وأثلج صدورنا نحن الإماراتيين، كيف لا والمشروع الضخم الذي أنجز بإذن الله تعالى وفضله، وبجهود جبارة من المنفذين له، الذي سيسهم ويدعم ويعزز الاقتصاد المصري والعالمي بشكل كبير، ليس بسبب تضاعف عدد السفن العابرة للقناتين فحسب، وإنما أيضاً بسبب ما سيلحق بها من مشروع إنشاء منطقة اقتصادية عالمية تشمل موانئ ومدناً صناعية ومراكز لوجستية وتجارية تضاعف معدلات التبادل التجاري بين مصر ودول العالم، وفخامة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي أكد مراراً وتكراراً بأنه «لن يستطيع أحد أن ينال من مصر أبداً، ما دام الشعب المصري كتلة واحدة ويد واحدة».

الرئيس يعي تماماً أهمية هذه الخطوة الوطنية، التي صنعها شعب مصر بكل أطيافه، ويعي تماماً ما تحتاج إليه مصر لبلوغ أهدافها على الصعيدين السياسي والاقتصادي، لهذا كانت توجيهاته بتوفير كل المتطلبات اللازمة اختصاراً للوقت وسرعة الإنجاز، فكان له ما أراد بإصرار وعزيمة من الحكومة المصرية، فكان لرجال مصر المراد. اختصروا المدة المحددة وأنجزوا مشروعهم وافتتحوا قناتهم الجديدة في زمن قياسي لدعم نمو الاقتصاد المصري.

هذه الملحمة تؤكد أن المصريين قادرون على تحقيق أحلامهم، وبناء بلادهم التي يتمنوها ومستقبل أبنائهم المتطلعين إليه بمواصلة العمل وتحقيق الإنجازات الضخمة والجبارة على أرض الكنانة، التي شهدت أقوى حضارات الأرض، التي تؤكد أن المصريين قوم أشداء بنوا بلادهم وصنعوا حضارتهم منذ سبعة آلاف سنة، ومازالت الأهرامات القوية الشامخة بحارسها الهمام أبو الهول، إحدى عجائب الدنيا شاهدة على هذا التاريخ وتلك الحضارة المصرية التي خدمت ولاتزال تخدم البشرية، وإن شاء الله، وبعزة الله، ستبقى أرض وفضل مصر أم الدنيا محفوظة من الله عز وجل، وستمضي مصر العروبة بفضل الله وحرص وتفاني رئيسها في العمل الجاد، وتضامن وتكاتف شعبها العظيم إلى الخير، وستُتح بإذن الله أبواب الخير عليها وعلى المصريين، وستتوالى الإنجازات وستعلو أهرامات الجيزة، لتحاكي عنان السماء.

ومن أجل بلوغ الأهداف المرجوة وتحقيق الرخاء في طريق الإصلاح والعدالة الاجتماعية، مصر رئيساً وشعباً يعون تماماً أهمية ذلك وما تحتاج إليه بلادهم التي قال عنها الله، عز وجل، في كتابه الكريم «ادخلوها بسلام آمنين»، ومصر ستبقى دوماً في قلوبنا جميعاً، رمزاً للعزة والكرامة والعروبة الأبية، إن شاء الله القناة الجديدة بشرة خير عليكم، وعمار يا مصر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات