بعد سنوات من الانقطاع، استؤنف ما يسمى بـ»الحوار الاستراتيجي« بين مصر وأميركا، وزيرا خارجية البلدين رأسا وفدي التفاوض، الظروف الخطيرة التي تمر بها المنطقة عكست نفسها على المحادثات. والتصريحات التي أطلقها الوزيران عكست مدى التغيير في العلاقات المصرية ـ الأميركية، وكشفت عن مواقف جديدة لواشنطن وأيضاً عن ثقة واضحة من جانب القاهرة بأنها تسير في الطريق الصحيح رغم قسوة التحديات وصعوبة الظروف. ما أبعدنا اليوم عما كان عليه الموقف بعد 30 يونيو مباشرة.
يومها كان الموقف يتلخص في جملتين أطلقهما الرئيس بوش والرئيس السيسي »كان يومها وزيراً للدفاع«.. قال بوش: إن العلاقات المصرية ـ الأميركية لن تعود كما كانت من قبل!! ورد السيسي يومها بأن مصر لن تنسى ولن تغفر لمن وقفوا ضد إرادة شعبها!
وقد تجلى الموقف حينئذ في سلوك أميركي رفضته مصر على طول الخط كأن واشنطن تواصل رهانها على »الإخوان« حتى بعد سقوطهم!! وكانت تتصور ـ كعادتها ـ أن الضغوط على القاهرة يمكن أن تثمر.. فمنعت السلاح الذي كانت تحتاجه مصر لمواجهة الإرهاب!! وحاولت فرض حصار سياسي واقتصادي على مصر، وبدأت في التعامل مع ثورة شعب مصر على أنها »انقلاب«!! على شرعية جماعة لم تتوقف عن الإرهاب منذ نشأتها قبل ثمانين عاماً، ومع ذلك ظلت أميركا تعتبرها حليفاً يستحق الدعم لأنه »شرعي«!! ولأنه »معتدل«!!.. ولم تقل بالطبع لأنه »عميل«!! على مدى عامين تغير المشهد وتبدلت المواقف!!
صمدت مصر أمام المؤامرة بمساعدة الأشقاء العرب الذين أدركوا أنه قد آن الأوان لكي تفهم أميركا خطر سياستها، ولكي تتخلى عن دعمها لإرهاب »الإخوان« بدعوى أنه معتدل (!!).. ربما تمهيداً للتصالح مع إرهاب آخر لا يدعي الاعتدال، ولكن أميركا تقول إنه ذاهب إليها لأسباب تعلمها هي ولا ينبغي أن يعلمها الآخرون!!
في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزيرا خارجية مصر وأميركا كان هناك حديث طويل من جانب كيري عن دعم مصر في حربها ضد الإرهاب (كان منذ شهور يسمى أميركياً.. العنف المسلح!!) وعن تعاون اقتصادي وسياسي، وكانت تهنئهم بـ»الإنجاز العظيم« بافتتاح قناة السويس الجديدة، وكان هناك حديث عن تسليح الشرطة المصرية (بعد حظر تم فرضه بعد 30 يونيو رغم نشاط عصابات الإرهاب!!). لكن الأهم كان في نقطتين أساسيتين:
الأولى: حين أجاب كيري على سؤال من »نيويورك تايمز« فإذا به يعلن أن »أميركا لديها معلومات عن تورط بعض قيادات الإخوان في العنف«!!
والثانية جاءت على لسان وزير الخارجية المصري وهو يعلن »أمام كيري« أن الولايات المتحدة حاولت في فترات سابقة فرض مشروطيات على التعاون بين البلدين، وهو ما رفضته مصر لأنها تتفاعل مع شركائها اتصالاً بما يراه الشعب المصري في صالحه، باعتباره البوصلة الوحيدة التي توجه السياسات المصرية.
في المقابل كانت مصر تمضي في طريقها بدعم الأشقاء العرب (وخاصة في الإمارات والسعودية) وكانت تصمد أمام الضغوط السياسية والاقتصادية، وتواجه إرهاب الإخوان وباقي الفصائل المتحالفة معهم أو النابعة من أفكارهم، وفي الوقت نفسه كانت تبني وتنجز وتتحدى الصعاب، كما حدث في مشروع قناة السويس الذي أنجزت فيه مصر في عام ما كان يحتاج لخمس سنوات على الأقل.
اليوم تقول أميركا »عبر وزير خارجيتها« ما كانت تعرفه من البداية عن إرهاب »الإخوان« وتورط قيادتهم في العنف!! بالنسبة لمصر.. هذا إقرار بواقع كانت تنكره أميركا عن »إرهاب معتدل«!! وهو بداية لتصحيح موقف لابد أن يكتمل بإدراك خطأ الرهان على »الإخوان« الذي ثبت فشله، والاعتراف بأن الإرهاب ملة واحدة، وأن أصله يكمن في نهج جماعة »الإخوان« منذ نشأتها.
ثم إدراك أن محاولة فرض الشروط على مصر أمر لا مجال له، وأن احترام إرادة شعب مصر هو السبيل الوحيد لتجاوز أخطاء الماضي.
بالنسبة للإخوان.. كان طبيعياً أن يقيموا مأتماً »وما أكثر المآتم التي يقيمونها هذه الأيام«.. يدركون أن الراعي الأساسي يرفع يده، وأن الاتباع سيسيرون في الطريق نفسه!! يصرخون في هلع: »الأميركان باعونا« .. لا يدركون أنهم هم الذين احترفوا بيع أنفسهم منذ البداية!! قبضوا من شركة القناة الفرنسية والاحتلال البريطاني ليؤسسوا جماعتهم. ووضعوا أنفسهم في خدمة كل من عادى الأهداف الوطنية القومية ليساهموا في ضرب كل مشروع وطني.. من مشروع الاستقلال قبل ثورة يوليو، إلى مشروع عبد الناصر، إلى ثورتي يناير ويونيو.