مصر والحضارة الإنسانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

قبل الميلاد بثلاثين قرناً أو بعبارة أخرى قبل خمسة آلاف سنة من الآن، كان العالم المعروف آنذاك غير العالم الذي نعرفه في الوقت الحاضر تماماً. لم يكن أحد يعرف جزءاً من العالم اسمه «أوروبا». كان مركز العالم آنذاك في المنطقة التي تمتد من حوض النيل غرباً إلى العراق شرقاً والذي يضم بين النهايتين – وادي النيل وحوض الفرات – الجزيرة العربية شمالها، وجنوبها وبخاصة اليمن.

في ذلك الزمن البعيد أشرق على البشرية نور من وادي النيل، حيث بزغ فجر الضمير الإنساني على حد تعبير الأكاديمي الأميركي الشهير جيمس هنري بريستيد، في الكتاب المعنون «فجر الضمير» والذي نقله إلى العربية منذ عام 2000 أي منذ أربعة عشر عاماً الأستاذ الدكتور سليم حسن أستاذ المصريات القديمة. في كتاب «بريستيد» كلام عن مصر لو كتبه مصري لقيل إنه مخرّف أو أنه على الأقل يبالغ في أهمية بلده وفي تاريخها الحضاري.

ولكن الكاتب هنا هو أكاديمي أميركي شهير قام بالتدريس في كثير من أهم الجامعات الأميركية ذات الوزن العلمي. ويرى بريستيد أن البشرية ظلت قروناً وقروناً يتصرف فيها البشر بدوافع الغريزة وبحكم القوة المادية وما في أيدى الناس من سلاح مهما كان بدائياً «البلطة وغيرها»، وعلى مدى المئات من آلاف السنين كان المجهود البشري طوال هذه الفترة يسير بالبشرية من طور إلى طور انتقل فيها بنو البشر من القتل «بالبلطة» أو «الفأس» إلى أن وصل إلى استعمال أسلحة قادرة على سحق الآلاف من الأرواح وتدمير مساحات شاسعة من العمران.

ويرى الكاتب الكبير أن حلّ رموز الخط المسماري للبابلية والآشورية وفك رموز حجر رشيد في مصر – مكّنا الباحثين من فحص كثير من الوثائق القديمة التي تحكي قصة تاريخ التقدم البشري.

ويرى مؤلف كتاب «فجر الضمير» أن نهر النيل هو النهر الوحيد على الكرة الأرضية الذي ينبع من المناطق الحارة في قلب إفريقيا وينساب نحو الشمال ليصب في البحر الأبيض المتوسط، وعند مصب النيل يرى بريستد أن الحضارة القديمة بدأت تظهر حول مناطق شمال هذا النهر.

وأن المصريين القدماء الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ المعروف كانوا – وفق تعبير بريستيد – أقدم مجتمع عظيم على الأرض استطاع أن يضمن لنفسه غذاءً ثابتاً (ص 19 من ترجمة سليم حسن) وكان اختراع هؤلاء المصريين لأقدم نظام كتابي قد جعل في أيديهم الوسيلة للسير على طريق التقدم الطويل نحو الحضارة الإنسانية بحيث تحول سكان وادي النيل – على مدى آلاف السنين – من مجرد صيادين أو فلاحين بدائيين إلى مهندسين وصناع وحكماء وأنبياء اجتماعيين في جماعة منظمة، مشيدين تلك العجائب على ضفاف النيل في وقت كانت أوروبا لاتزال في همجية العصر الحجري.

من يعرف كل هذا يعرف قصة ظهور أول مدنية على وجه الكرة الأرضية تحمل في ثناياها صوراً أخلاقية (ص22 من نفس المرجع). ويذهب بريستيد عكس الغالبية من الباحثين في التاريخ القديم من أن العبرانيين هم أصحاب أول معيار أخلاقي اهتدى به الناس – يذهب هذا الأكاديمي الكبير إلى أن الحضارة المصرية سبقت أيام «العبرانيين» بأكثر من ثلاثة آلاف سنة وأنها كانت أول من قدم للبشرية ما يمكن أن يسمى معياراً أخلاقياً يحكم حياة الناس.

وهذا هو ما دعا الكاتب إلى أن يقول إن وادي النيل وسكانه من المصريين القدماء هم بناة «فجر الضمير» الإنساني.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن أمد يدي إلى كتاب صدر في نفس العام الذي صدر فيه كتاب «فجر الضمير» وهو كتاب «النيل – حياة النهر» لمؤلفه الألماني إميل لودفيج، والذي ترجمه الأستاذ عادل زعيتر قائلاً في مقدمته: نقلت كتاب «النيل» إلى العربية معتمداً على ترجمته إلى الفرنسية والإنجليزية.

وعندما يلتقي النيل الأبيض والنيل الأزرق تحت نخيل الخرطوم «وهكذا يوجد بعناقهما الأخوي مكاناً من أروع بقاع الدنيا ويسفر اتحاد مقاديرهما عن وجود مصير مصر» (ص153 من كتاب لودفيج).

أعتقد أن هذا الكتاب يستحق أن يقرأه كل مواطن مصري لكي يدرك أنه ينتمى إلى شعب حضاري عريق. شعب يستحق أن يتطلع من جديد إلى بناء دولة قوية وإلى الإسهام في الحضارة البشرية. حفظ الله مصر وسدد خطاها نحو الإسهام في حضارة بني الإنسان.

والله المستعان.

طباعة Email