إلهام بلا حدود

يتسم الفن الشعبي العربي المتداول شفوياً، بثراء بالغ في ايراد الأبطال الذين وضعوا سيوفهم في خدمة الدين والملوك والحب، غير أن جحا ينتمي بامتياز إلى فئة أبطال الضد، فهو رجل بسيط في مظهره، ولا يوحي للوهلة الأولى بإمكانية أخذه مأخذ الجد، ولكنه شخص شديد الفطنة، بحيث يؤثر في النفس تأثيراً جارفاً.

وكما نعرف، فإن جحا يطلق عليه أسماء مختلفة، ولكنه في مصر يعرف باسم جحا على وجه التحديد، وينظر إليه بصفة عامة، على أنه بطل يتحمس له الصغار، وقد أبهجت قصص كثيرة حشود الصغار لدى العرب، الأتراك، اليونانيين، الهنود، الأفارقة، بل وحتى الصينيين.

وتغيّر اسم جحا يعتمد على البلد المعني، وهو يمكن أن يسمى جحا، أو حجا، أو كوجا، أو الملا نصر الدين، أو الأحمق الحكيم إلى غير ذلك من الأسماء.

غير أن جحا له أيضاً جانب أكثر جدية، حيث يوصف بـ«الشيخ الصوفي» و«الرجل الحكيم» وتؤكد هذه الصلة بالصوفية مجموعة من قصص الملا نصر الدين إدريس شاه تحت عنوان «طرائف الملا نصر الدين»، وهو الكتاب الذي صدر باللغة الفرنسية عام 1983.

ولد إدريس شاه في عام 1924 في شمالي الهند، والتحق بمدرسة أسسها جده على المبادئ الصوفية، ودرس فلسفة التصوف وتعلم أساليب التدريس، وفي الوقت نفسه، درس لغات غربية، وارتحل طويلاً في أرجاء الشرق الأوسط، شمال أفريقيا، أميركا الجنوبية وآسيا الوسطى، ثم انطلق إلى أوروبا.

لا تتسم أصول جحا بالوضوح، والكثيرون يتساءلون عما إذا كان شخصية واقعية أم بطلاً أسطورياً، ولكن الإجماع العام، ينعقد على أنه ولد في قرية صغيرة في تركيا عام 1208، وتوفي عام 1284.

وقد أنجز المؤلفان الفرنسيان أ. أديس و أ. جوسيبو فيتشي، عملاً يقع في ثلاثة مجلدات عن جحا، بعنوان «كتاب جحا الساذج» عام 1926، وهو يتناول المغامرات الرومانسية لجحا الشاب على طريقة «ألف ليلة وليلة»، حيث ينطلق جحا الذي لا تستطيع النساء مقاومة سحره، يجوب أرجاء المدينة على حماره الذي لا يفارقه خلال النهار، ليبيع البذور عند أبواب البيوت.

وفي الليل، يمضي في مغازلاته العاطفية التي يلفها الغموض.

وغالباً ما يصور جحا على أنه رجل كبير السن، فقير إلى حد كبير، ويصحبه ابنه وزوجته وحماره، وفي بعض الأوقات، نجد جحا يحظى بالقبول في بلاط الملوك، وينال التقدير من الحكام لحكمته البالغة.

ونحن نقرأ أنه: «ذات يوم كان جحا جالساً مع الملك، الذي تصادف أنه كان جائعاً، وأحضر له خادمه بعض الباذنجان الذي تم إعداده على نحو شهي، وقد أحب الملك الباذنجان، وأمر الطاهي أن يقدم له هذا الطبق في كل وجبة يتناولها.

وسأل جحا: ألا تعتقد أن الباذنجان هو أفضل خضار في الدنيا؟ فرد جحا قائلاً: إنه الأفضل يا مولاي، وبعد خمسة أيام، وعقب تقديم الباذنجان للملك للمرة العاشرة، رفض تناوله، وقال لخادمه أبعد هذا الطعام عني، فأنا أبغضه، وسأل جحا: ألا تعتقد أن الباذنجان فظيع على نحو خاص؟ فرد جحا قائلاً: إنه طعام فظيع يا مولاي.

عندئذ انفجر الملك غاضباً، وقال: خلال الأسبوع الماضي كنت تزعم أن الباذنجان هو أفضل خضار على الإطلاق يا جحا، ألم تتوقف لتفكر في هذا؟ عندئذ بادر جحا إلى الرد بقوله: هذا صحيح، ربما قلت ذلك، ولكنني خادم الملك، ولست الباذنجان».

هكذا، فإن جحا الحكيم وحماره الشهير، سيظلان مصدراً للإلهام والفكاهة بالنسبة لأجيال كثيرة مقبلة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات