كليوباترا .. النهاية بين التاريخ والأسطورة

تحدثنا المصادر التاريخية التي تلقي الضوء على حياة كليوباترا بأنها قامت مع أنطونيو بجمع أسطول كبير علقا الآمال على أن يتمكنا عن طريقه من إيقاع الهزيمة بأوكتافيو الذي كان رجلا طموحا ويرغب في أن يحكم العالم كله في عصره بمفرده.

وعلى الرغم من أن أنطونيو كان قائدا عسكريا فذا، إلا أنه لم تكن لديه إلا خبرة محدودة في الحرب البحرية.

وقد التقى الأسطولان في معركة أكتيوم الحاسمة التي انتهت بهزيمة كارثية مني بها أنطونيو وكليوباترا، وأفلحا على الرغم من ذلك في الإفلات بما لا يتجاوز كثيرا حياتهما، حيث هربا إلى الاسكندرية، وهناك أمضيا أشهرهما الأخيرة التي شكلت ذروة حياتهما التي خلدها شكسبير في مسرحيته الشهيرة «أنطونيو وكليوباترا».

بعد أن حقق أوكتافيو الانتصار في المعركة، أعقب ذلك بمهاجمة مصر نفسها، حيث أقبل بجيشه مجتازا الشام وخيم أمام الاسكندرية في انتظار التطورات. كان أنطونيو يعرف أن الهزيمة قد حاقت به، ولكنه في غمار يأسه تحدى خصمه أن يقف أمامه في مبارزة فردية، وكان الرد الوحيد الذي بادر به أوكتافيو هو إرساله رسالة يقول فيها إن هناك طرقا أخرى يمكن أن يسعى أنطونيو من خلالها إلى الموت.

ومن خلال هذه الكلمات كان أوكتافيو يعبر في حقيقة الأمر عن أمله في أن أنطونيو قد يبادر إلى الانتحار، فهذا الشكل من الموت هو الذي اختاره الكثير من النبلاء الرومانيون عندما كانت الهزيمة تحيق بهم.

كان أسطول أوكتافيو قد ألقى مراسيه في ميناء الإسكندرية، ومن ثم فقد حوصر أنطونيو وكليوبالترا تماما، وبرغم ذلك، فقد ظل أنطونيو يعتقد أنه ربما يكون بمقدوره أن يشتبك مع العدو في معركة بحرية أخيرة، ولكنه شاهد بمزيد من الانزعاج سفينته الخاصة وهي تنطلق لتنضم إلى سفن عدوه. ألم يكن البحارة في نهاية المطاف جميعا من الرومان، وألم يبد واضحا للعيان أن أنطونيو ليس لديه أمل في الانتصار؟ وأفضى هذا المشهد لأنطونيو إلى ذروة اليأس وخشيت كليوباترا ما يمكن أن يقدم عليه أنطونيو في هذا المناخ النفسي الكئيب، فبادرت إلى الهرب إلى المقبرة الرحبة التي كانت قد شيدتها لنفسها، ومن هناك بعثت إلى انطونيو برسالة تفيد بأنها قد ماتت، وقد صدق انطونيو أن حبيبته الجميلة اصبحت في عداد الموتى، فساوره الشعور بأنه لم يبق أمامه ألا أن يشاركها موتها.

في هذا الوقت، كان أنطونيو قد غدا رجلا محطما، ولمن تعد لديه الشجاعة للانتحار في السقوط على سيفه وفقا للأسلوب الروماني التقليدي في الانتحار، وبدلا من ذلك، طلب من احد رفاقه أن يوجه إليه ضربة قاتلة، ولكن الرجل لم يستطع إرغام نفسه على قتل قائده، فأقدم بدلا من ذلك هو نفسه على الانتحار.

عندما وجد أنطونيو لنفسه الشجاعة الضرورية للإقدام على ما اعتزمه، لم ينجح إلا في جرح نفسه جرحا قاتلا، وعند ذلك فحسب، علم بأن كليوباترا لا تزال على قيد الحياة، فطلب من المحيطين به أن يحملوه إليها، وهكذا مات بين ذراعيها وهي تتوسل إليه ألا يتركها وحيدة في هذه الدنيا. أدركت كليوباترا عندئذ أن كل شيء قد ضاع منها إلى الأبد، وأن أوكتافيو في الغالب سيمضي بها أسيرة إلى روما لينطلق بها مكبلة بالأغلال في شوارع المدينة وهو شيء ما كانت طبيعتها الفخورة لتستطيع احتمال ومواجهته فقررت الإقدام على الانتحار.

كان أوكتافيو قد أصدر أوامره بألا يسمح لها بأي حال من الأحوال بالانتحار، ولكن الملكة أظهرت من جديد قدرتها على أن تحقق ما تريد، حيث قامت بترتيبها السري الخاص بموتها.

ارتدت كليوباترا أبهى حللها، واستقبلت القروي الذي نجح في الوصول إليها متجاوزا الحراس الرومان بزعم أنه يحمل إليها سلة من ثمار التين الناضجة، ولكن في داخل السلة ووسط ثمرات التين، كان هناك ثعبان صغير سام سممت كليوباترا نفسها به. أصدر أوكتافيو أوامره بدفن كليوباترا قريبا من أنطونيو، وهكذا فإن كليوباترا في موتها حققت أمنيتها التي تتمثل في عدم الفصل بينها وبين حبيبها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات