أكثر من أي حديث في السياسة، جاءت جوائز الدولة للآداب والفنون والعلوم الاجتماعية في مصر هذا العام، لكي تؤكد حجم التغيير الذي تشهده البلاد، ولكي تقول إن روح مصر الحقيقية تعود لها بعد مأساة حكم الإخوان، وبرغم الإرهاب الذي مازال يحاول الانتقام من شعب مصر الذي أجهض أهم أجزاء المؤامرة في المنطقة، حيث انتفضت الملايين في 30 يونيو لتقضي على فاشية الإخوان وتنهي الكارثة التي كانوا قد بدأوا فيها، ليس فقط بالاستيلاء على الحكم، ولا «أخونة» مؤسسات الدولة، وإنما الأهم والأخطر، كانت المحاولة البائسة لتغيير هوية مصر وتحويلها إلى بلد يحكم من كهوف العائشين في ظلام العصور الوسطى!
قبل عامين كان الإخوان يستفزون كل مثقفي ومبدعي مصر بتعيين وزير للثقافة جاءوا به من المجهول ليعلن الحرب على كل ما هو جميل في الثقافة والفن، وكانت «البجاحة» قد وصلت إلى حد المطالبة بمحاكمة حتى من رحلوا عن دنيانا مثل العظيم نجيب محفوظ ومصادرة كتبهم التي زعموا أنها ضد الدين والأخلاق!! كانت محاكم التفتيش في الطريق وكان لا بد أن يتحرك المثقفون والمبدعون لمنع الكارثة. وكان يوماً مشهوداً في تاريخ مصر، حين تحرك المثقفون والمفكرون والمبدعون ليحتلوا مبنى وزارة الثقافة، ويمنعوا الوزير الإخواني من دخول الوزارة.
يومها أيقنا سقوط النظام الإخواني الفاشي.
فلم يحدث منذ أزمنة طويلة أن تغلب المثقفون على خلافاتهم وانشقاقاتهم وانغلاق الكثير منهم على الذات كما حدث في هذا الموقف الذي أعلن وحدة الجميع في وجه الفاشية الإخوانية.
ولم يترك المثقفون والمبدعون مبنى الثقافة إلا لينضموا للملايين التي خرجت في 30 يونيو، لتعلن إرادة الشعب وتقتلع حكم الإخوان، ولولا ذلك لكان مصير الثقافة والفنون في مصر الآن كمصيرها في أفغانستان أو تحت حكم الدواعش وأمثالهم الذين ينتشرون كالوباء في عالمنا العربي.
ولولا 30 يونيو التي استعادت لمصر الثورة والدولة، وحفظت لها الهوية، لما كنا اليوم أمام هذا الحدث الرائع بإعلان جوائز الدولة، وذهاب ارفعها وأعلاها شأناً إلى الروائي المبدع جمال الغيطاني والمفكر الكبير الدكتور حسن حنفي، ثم سيدة المسرح العربي في أزهى عصوره سميحة أيوب. وكل واحد من الرموز الثلاثة يجسد وجهاً جميلاً للثقافة والإبداع في مصر والعالم العربي.
وحصولهم على أرفع الجوائز في هذا الوقت بالتحديد هو رسالة للجميع بنجاح الثورة واستعادة الوجه الجميل لمصر المبدعة والمتحضرة، والضاربة في التاريخ، والمتطلعة للمستقبل.
ما زلت أتذكر الغيطاني الشاب في لقائنا الأول وأنا أتلقى منه عمله الجميل المبشر بعد النكسة «أوراق شاب مصري عاش منذ ألف عام» في طبعته الأولى بإمكانات قليلة لم تخف قيمته الكبيرة، بعدها كان عمرا طويلا من الإبداع، وكانت تجارب ثرية وخروج لابن حي الجمالية إلى العالم الذي احتفى بإنتاجه الأدبي الرائع.. ومازال الغيطاني الذي احتفلنا قبل أيام بميلاده السبعين يواصل الإبداع وينخرط، في نفس الوقت، في المعركة ضد عصابات الإرهاب ودعاة التخلف.
وتأتي الجائزة لحسن حنفي في وقتها، لتعلن انحياز المثقفين لدعوة تجديد الفكر الديني وهو صاحب آخر محاولة كبيرة في هذا المجال بكتاباته الرائدة عن «اليسار في الإسلام» أو عن «الاستغراب» كمقابل لـ«الاستشراق».
ومازال الرجل يواصل الجهد ويشتبك مع قضايا الأمة بعقل علمي ناضج، وبرؤية تنحاز للعدل والحرية وتعلي من قيمة الاجتهاد الصحيح، وترفض التجارة بالدين أو حكم المستقبل من كهوف الماضي.
أما الجائزة التي ذهبت لسيدة المسرح سميحة أيوب فهي تجسيد لبعض أجمل ما كرست الثورة أو استعادت من أيدي عصابات الإرهاب المتاجرة بالدين، جائزة سميحة أيوب هي انتصار للمرأة، واحتفاء بالفن الجميل، وهزيمة للانحطاط الفني والثقافي الذي كاد حكم الإخوان أن يفرضه علينا.
تألقت سميحة أيوب في العهد الذهبي للمسرح والسينما والغناء في ستينيات القرن الماضي حيث كانت خشبة المسرح القومي تزدان - إلى جانب نصوص توفيق الحكيم والنصوص العالمية - بإبداعات جيل رائع من الشباب ضم نعمان عاشور ويوسف إدريس والشرقاوي وسعد الدين وهبة، الذي ارتبطت به سميحة أيوب حتى توفاه الله- أما النجوم فحدث ولا حرج.
فتذكرة لا تزيد قيمتها على ربع جنيه كانت تشاهد إبداعات حسين رياض والبارودي وسناء جميل وعبد المنعم إبراهيم وسناء جميل وغيرهم من نجوم هذا الزمن الرائع. وفي هذا المناخ تألقت سميحة أيوب وكانت بالفعل سيدة المسرح التي لا يقاوم سحرها وطغيان حضورها وبراعتها في تجسيد أدوارها.
وبالطبع هناك المئات وربما الآلاف من المبدعين والمثقفين والمفكرين في مصر يستحقون مثل هذا التكريم. لكن اختيار هذا الثلاثي الرائع لينال أرفع جوائز الدولة في مصر يشير إلى معنى أساسي وهو أن مصر تستعيد روحها وتحتفي بذلك.
وها نحن بعد عامين نعيش المقارنة.. سميحة أيوب تفوز بأرفع جوائز الدولة، بينما الدواعش يبيعون الفتيات الأسيرات في سوق النخاسة! والغيطاني يتوج بجائزة الآداب بعد أن كان - مع كل المبدعين- مهدداً بالمحاكمة على إبداعه وعلى مواقفه.