أحبطت مصر واحداً من أخطر الأعمال الإرهابية، حيث كان الهدف هو توجيه ضربة قاصمة داخل معبد الكرنك أحد أشهر المعالم السياحية العالمية وقتل أعداد من السياح في تكرار لمأساة سابقة حدثت في الأقصر أيضاً عام 1997، والتي راح ضحيتها العشرات من السياح كان أكثرهم من سويسرا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، فيما عرف بمذبحة «الدير البحري».
بالطبع فإن ضرب السياحة التي بدأت تتنفس هو أحد أسباب هذا العمل الإرهابي المنحط، لكن الأمر بالطبع أخطر من ضرب السياحة فقط، خاصة في ظل الظروف والملابسات التي تحيط بالموقف في مصر والمنطقة.
فحادث الكرنك يأتي في ظل تصعيد إخواني رسمي بتصعيد العنف في مصر، ومحاولة الإيحاء بأنها كانت تمارس في الفترة السابقة نضالاً سلمياً، مع أن كل الحقائق تقول إن الجماعة لم تتخل عن العنف يوماً واحداً منذ نشأت قبل ثمانين عاماً، وأن ما تفعله من محاولات لارتكاب الجرائم تحت لافتات أخرى أسماء مختلفة، أو بادعاءات انشقاق داخلي عرفناها بعد كل مرحلة تجد فيها الجماعة نفسها في حالة تلبس بالإرهاب.
كما يأتي الحادث بعد توجيه الأمن ضربات عدة لخلايا إخوانية أشهرها ما سمى «أبناء الشاطر»، وهو التنظيم الداخلي الذي أعده الشاطر في بداية عام 2012 استعداداً للسيطرة على الدولة باختراق أجهزة الدولة والحصول على كل المعلومات عن الأجهزة الأمنية والعسكرية والسيادية، ثم تطورت بعد ذلك ليقوم جناح منها بعمليات اغتيال وهجمات إرهابية.
ويأتي الحادث في ظل استقرار داخلي وبدء انتعاش اقتصادي، وفي ظل نجاح خارجي تجسد في الأسبوع الأخير في نجاح زيارة الرئيس السيسي لألمانيا والتي ظهر من خلالها التغيير الكبير في الموقف الألماني تجاه مصر مثل العديد من الدول الأوروبية، كما تجسد أيضاً في موقف مصري متشدد إزاء زيارة وفد إخواني مشبوه لأميركا.
على الجانب الآخر يأتي الحادث ليؤكد أن مصر ستظل مركزاً لصراع ضد الإرهاب وضد مخططات إعادة تقسيم الوطن العربي، فمع الضربات التي تلقتها جماعات الإرهاب في سيناء، ومع الفشل في نقل إرهابها إلى قلب الوادي، فها هي تفتح جبهة جديدة في جنوب مصر، وتحاول تشتيت الجهد الأمني وتضاعف المسؤولية عليه في الحفاظ على ثروة مصر والبشرية كلها من الآثار.
وتأتي الخطورة هنا أيضاً من افتتاح المنطقة على حدود السودان وليبيا، وقد رأينا قبل ذلك كيف تدفقت الأسلحة عبر هذه الحدود إلى سيناء وإلى داخل الوادي، وإذا كان الوضع قد تحسن بعد الإجراءات التي اتخذتها مصر ضد عصابات الإرهاب في سيناء وبعد زيادة التنسيق في الفترة الأخيرة مع الخرطوم، فإن الوضع في ليبيا يتدهور بصورة تثير القلق، وتوسع «داعش» في الفترة الأخيرة وسيطرتها على مناطق مهمة يفرض على مصر بالذات أن تتحسب للمخاطر.
لقد حذرت مصر منذ البداية مما طرحته أميركا من تركيز الجهد على «داعش» في العراق فقط بعد التوسع المشبوه للجماعة الإرهابية هناك، فكانت النتيجة هي الفشل – حتى الآن – في مواجهة الموقف في العراق، والتوسع من جانب داعش رغم الضربات التي قيل إنها وجهت إليها.
وحذرت مصر منذ البداية من أن تكون «داعش» فقط هي العنوان الوحيد للإرهاب كما أرادت أميركا وبعض حلفائها وأذنابها، وتركوا أنفسهم وجماعاتهم ألعوبة في أيدي أجهزة المخابرات التي تنفذ سياسات لم تعد مجهولة لتدمير الوطن العربي.
وحذرت مصر من البداية من الترويج لأكذوبة أن هناك إرهاباً «معتدلاً» وهي أكذوبة لا يراد بها إلا غسل سمعة «الإخوان» . لقد تحولت ليبيا الآن إلى ما كانوا يطمعون في تحويل سيناء إليه.
قهر جيش مصر المؤامرة التي أشرف على تنفيذها الإخوان في سيناء، ورغم الضربة التي وجهها لجماعات الإرهاب على الحدود مع ليبيا بعد مذبحة المصريين إلا أنه لم يستدرج لما كان يعد له وحافظ على وحدته وقدرته على حماية الوطن والمساهمة في حماية الأمن القومي العربي. لكن الخطر في ليبيا – إذا لم يتم تدارك الأمر بسرعة – سيكون هائلاً.
ليبيا في طريقها لتكون أفغانستان الجديدة، وداعش أصبحت على بعد مائة كيلومتر من البحر المتوسط (وهو ما بدأت أوروبا تدرك عواقبه) والدول العربية التي كانت تقلل من الخطر في ليبيا أصبحت تعرف حجمه وما يمكن أن يمثله من تهديد لدول عربية مثل الجزائر وتونس.
ومع ذلك فمازال البعض من القوى العربية والإقليمية يواصل لعب الدور الذي كان مرسوماً له ومازال البعض منهم يتصور أن الإضرار بمصر سيحقق له أي فائدة، ولا يدرك أنه سيكون الخاسر الأكبر في هذه الحالة، وأن المتغطي بأميركا عريان مهما تدثر بالمال أو السلاح.
فشلت محاولة الإرهاب في الكرنك وستفشل محاولات أخرى عدة، لكن الدلالة تتأكد.. أن مصر ستظل هدفاً أساسياً لجماعات الإرهاب ومن يدعمونها، وأنهم لم ولن ينسوا «الجريمة!» التي ارتكبها شعب مصر وجيشه في حقهم حين أسقط حكم الإخوان الفاشي، وأنهم لم ولن يتخلوا عن مخططاتهم لاستنزاف الأمة العربية في صراعات طائفية وحروب أهلية حتى يستكملوا الخريطة الجديدة للمنطقة.
كان إسقاط مصر حكم الإخوان الفاشي في 30 يونيو معجزة، وسيكون انتصارها النهائي على جماعات الإرهاب واجتثاث جذوره تماماً هو الإعلان الواضح عن سقوط الإرهاب الإخواني الداعشي، وانتهاءً بالأنظمة الإقليمية التابعة والمعادية للعروبة وللتاريخ، والإسلام الحنيف كان انتصاراً للحرية وكرامة الإنسان ورسالة للمحبة والتسامح، فأحالوه إلى دعوة للفتنة وخصاماً مع العقل وعداءً للإنسانية.. ثم يظنون أنهم - بهذا الجهل والإرهاب والتخلف - يمكن أن ينتصروا!