الاتفاق الأميركي مع إيران ليس فقط جزءاً محققاً من استراتيجية أوباما في المنطقة، ولكنه الجزء الأساسي في هذه الاستراتيجية.
والأمر هنا لا يتعلق فقط برؤية أوباما الذي يريد أن يخرج من الحكم وقد أنجز وعده بتصفية الحروب التي كانت بلاده غارقة فيها واستعادة كل قواته التي كانت تشارك في هذه الحروب إلى أميركا...
وإنما الأمر أيضا يتعلق بإيمان لم يتخل عنه فريق أساسي في حكم أميركا وتحديد سياساتها، بأن إيران تؤدي خدمات جليلة للاستراتيجية الأميركية، ليس أقلها إشاعة الفوضى في المنطقة وتدمير بعض أكبر الدول العربية من العراق وسوريا إلى اليمن وغيرها، مع إدراك هذه القوى الأميركية الأساسية أن ما تمر به إيران سينتهي بها حتماً إلى العودة حليفاً أساسياً لأميركا كما كان الأمر تحت حكم الشاه.
والقضية هنا ليست، كما تحددها الإدارة الأميركية، في طمأنة دول الخليج العربي، ولا في بيانات تؤكد على الصداقة أو تعهدات أثبتت الأحداث عدم جدواها، ولا في الحديث عن بيع أسلحة تذهب حصيلتها في النهاية لسداد الأموال الإيرانية المتحفظ عليها والتي لن يستخدمها حكام طهران في شراء لعب الأطفال بل في تطوير أسلحتهم.
أكتب قبل انعقاد قمة «كامب ديفيد» وما يبدو واضحا من البداية (رغم الترحيب والمجاملات الأميركية) أن المنهج الأميركي مستمر في رفض الربط بين الاتفاق مع إيران وبين أوضاع المنطقة، بل إن الأمر يتجاوز ذلك في التشبث بمحاولة الفصل بين قضايا الخليج وقضايا الوطن العربي..
وهي محاولة لا بد أن تفشل بعد أن أثبتت التطورات في السنوات الأخيرة خطورة ذلك على أمن الجميع، وبعد أن مررنا بالتجربة الآلية لفرض حكم الإخوان وأنصارهم في دول الربيع وغيرها، وهي التجربة التي كادت تؤدي إلى المزيد من الكوارث لولا إنقاذ مصر، ثم التصدي لمحاولة الهيمنة على اليمن من خلال «عاصفة الحزم».
ولست أشك في أن الصوت الذي سيسمعه أوباما سيكون صوتا عربيا بقدر ما هو خليجي، فقد تعلم العرب الدرس، وأدرك الجميع أنه حين استباحت أميركا العراق لتتركها بعد ذلك مساحة للنفوذ الإيراني، كانت في نفس الوقت تفتح الباب على الجانب الآخر للدواعش بمختلف مسمياتهم، وتبني مخططاتها على إغراق المنطقة في صراع طائفي لا منتصر فيه إلا أعداء العرب والإسلام..
ولا نتيجة له إلا الدمار لحساب من يريدون تقسيما جديدا للمنطقة ينهي عروبتها ويحيلها إلى ساحة الحكام الطوائف وجماعات الإرهاب، لتبقى القوى الإقليمية غير العربية (إيران وإسرائيل وتركيا) هي صاحبة النفوذ وضابطة الأوضاع لحساب واشنطن التي تريد الهيمنة بالوكالة وبدون أن تدفع أقل التكاليف!!
وينبغي هنا أن نفرق بين حملات العلاقات العامة التي تلجأ لها الإدارة الأميركية لتهدئة الغضب العربي والخليجي حتى تستطيع تمرير اتفاقها مع إيران في الكونغرس، وبين المواقف الأساسية التي تعكسها تصريحات رسمية تقول - على لسان الرئيس الأميركي ووزير خارجيته - إن ما ينبغي أن تخشاه الدول العربية ليس إيران بل أوضاعها الداخلية..
والتي تريد تصوير «الدواعش والإخوان وأحزابهم» على أنهم ممثلو السنة العرب، وليسوا صناعة أميركا ورد فعل تحالفها مع إيران وما فعله الاثنان في العراق، ثم في غيرها من البلاد العربية، ورد فعل انحيازها لإسرائيل وتأييدها لكل جرائمها في حق الإنسانية كلها. قبل «كامب ديفيد» وبعده.. معركتنا الأساسية هي بناء القوة العربية..
ولن تكون المعركة سهلة أبدا كما لم تكن في كل محاولة سابقة، لن يكون سهلاً أن نضرب الإرهاب وأن نمنع التدخل الأجنبي مهما كان مصدره، ولن يكون سهلاً بناء القوة العربية العسكرية المشتركة...
ولن يكون سهلاً بناء الصناعة العربية للسلاح الذي تحتاجه، ولن يكون سهلاً بناء الدولة المدنية التي تكفل العدل والحرية والكرامة لكل أبنائها، لن يكون سهلاً كل ذلك ولكننا نستطيع وندرك أنه لا بديل أمامنا غير هذا الطريق. تجربتنا الناجحة في إنقاذ مصر بثورة 30 يونيو..
وفي إيقاف الزحف الإيراني إلى اليمن تعطينا الثقة في قدرتنا على تحدي الصعاب إذا توافرت الإرادة وتوحدت الصفوف وهذا - وحده - وهو ما ينبغي البناء عليه ليكون أمامنا مشروعنا للحفاظ على الأمن القومي ووسائل تحقيقه. في لقاء عربي مع الوزير الأميركي كيري سئل:
هل سيكون لنا حق التخصيب النووي؟ وتهرب الرجل من الإجابة، لكنه - الآن أو غدا- لن يستطيع هو أو غيره التهرب من الواقع، وهي أن للعرب حقوقا متساوية في ظل القانون الدولي، وأن مشروعاً ثورياً عربيا سلميا أمر لا بد منه.
نقول ذلك ونحن نعلم أن الملف النووي الإيراني ليس هو المشكلة الأساسية بالنسبة لنا، وإنما المشكلة هي الدور الذي تلعبه بعض القوى الإقليمية في إشاعة الفوضى في المنطقة وفي محاولة مد النفوذ في البلاد العربية عن طريق إشاعة الفتنة الطائفية والتدخل في الشؤون الداخلية.