الوقت ليس متأخراً على الإبداع

قال الكاتب ريتشارد آدمز في مقابلة أجريت معه أخيراً: «قصدت بكتابي أن يكون قصة فحسب»، والواقع أن آدمز ليس غريباً على تشويق الأطفال وإفزاعهم في بعض الأحيان، بحكاياته بتعرض أرنب للوقوع في فخ أو للنفوق باستنشاق الغاز. ومضى مؤلف كتاب «ووترشب داون» الذي أصبح مدرجاً في قوائم أفضل الكتب مبيعاً، يتذكر كيف أنه اعتاد تشويق أطفاله وإخافتهم بسرد قصص مخيفة عليهم قبيل نومهم.

يقول في هذا الصدد: «عندما تكون صغيراً فإنك لا تميز بين الواقع والخيال، والأمر كله واقع» وبالنسبة له، فإن القراء يحبون إزعاجهم وإثارتهم، وهو يتذكر أنه كان يكتب عندما كان صغيراً لدى إزعاجه بقصص كان أبواه يقرآنها له، ولكنه يشكرهما على استمرارهما في ذلك وعدم توقفهما عن القراءة له.

ويقيم آدمز الذي يبلغ الآن الرابعة والتسعين من عمره، في داره في هامشير التي تعود إلى القرن الثامن عشر، والتي تضم مكتبة كبيرة وتتناثر الكتب في أرجاء المكان، وتقيم معه زوجته التي عاشرته على امتداد 30 عاماً.

تتذكر إحدى بنات آدمز كيف أنه اعتاد أن يروي لهن قصصاً مخيفة ولم تكن تتمكن من النوم طوال الليل.

كان «ووترشيب داون» الذي أصبح من أفضل الكتب مبيعاً من القصص الأولى المنتمية إلى هذه النوعية، وكان آدمز آنذاك في الثانية والخمسين يعمل في الخدمة المدنية عندما رجته بناته أن يسرد لهن قصة عن الانطلاق بالسيارة إلى المدرسة، وهكذا انطلق في المسيرة: «كان هناك أرنبان يدعيان هازل وفايفر» ويقول لقد واصلت مسيرتي من هناك.

لم يكن آدمز قد كتب كلمة تنتمي إلى عالم القصص من قبل، ولكنه عندما كان يشرع في القصة كان لا بد أن يصل إلى نهايتها، وقد قالت له بناته في معرض التعليق على القصة: «إنها أجمل من أن يتم إهدارها يا أبي ولا بد أن تسجّلها كتابة»، ودفع به إلى مكتبه ليكتبها.

بدأ ريتشارد آدمز في الكتابة في المساء نفسه، وكانت النتيجة قصة بديعة الصياغة عن مجموعة من الأرانب الصغيرة التي تهرب من مطارديها، والتي حصد بفضلها كل من وسام كرنجي وجائزة صحيفة غارديان للكتابة للأطفال. يتذكر آدمز كم كان البدء صعباً وهو يقول في هذا الصدد: «كنت في الثانية والخمسين عندما اكتشفت أن بمقدوري الكتابة وتغيير حياتي. فالوقت لا يكون متأخراً قط، ولكنني أتمنى أو عرفت ذلك في وقت مبكر».

لم يفكر آدمز في نفسه باعتباره كاتباً إلا بعد أن أصبح كذلك بالفعل، ولكي يبدع شخصية الأرنب التي أنجزها، استلهم ملامح من أناس كان قد قابلهم ومن الأدب العالمي أيضاً.

صيغت الشخصية الرئيسية وهي شخصية بيغويغ، استناداً إلى ضابط عرفه آدم قبل ذلك بوقت قصير، وكان مقاتلاً عظيماً، بينما استمدت شخصية فايفر من «كساندرا» الشخصية الشهيرة المنتمية إلى الأساطير الإغريقية، والتي تتمتع بالقدرة على التنبؤ. وقد أظهر له كيبلنغ أن بمقدوره أن يترك أرانبه تفكر وتتحدث، ولكنه يتعين عليه أن يبقيها كلية في إطارها الأرنبي.

يقول لنا آدمز إن «ووترشيب داون» هو مكان حقيقي في هامبشير، وفي البداية لم تكن لدى آدمز فكرة عن أنه قد كتب شيئاً مميزاً للغاية وقد بعث بمخطوطة إلى كثير من الناشرين وبادر سبعة منهم إلى رفض المخطوطة، وقد حدث ذلك مرة بعد أخرى، وأحس بخيبة أمل بالغة بحيث أنه لم يستطع تحمل استرجاع المخطوطة بنفسه مجدداً، ولذا اعتاد إرسال بناته لاستردادها.

بعث آدمز بالمخطوطة إلى دار نشر صغيرة هي دار ريكس كولنز التي قبلته، ونشرت الطبعة الأولى في عام 1972، وتألفت من 2500 نسخة، وكانت عروض الكتاب مذهلة وبيعت منه ملايين النسخ، ويقول آدمز: «لقد أصبحت شيئاً آخر مع ذلك الكتاب، أنا الشخص الذي سرد هذه القصص».

ورفض آدمز جميع التفسيرات التي سيقت بشأن الكتاب، وقال لنا: «قصدت بكتابي أن يكون قصة فحسب». والكتاب يظل كذلك فهو قصة بديعة وجميلة ولكنها تظل قصة.

يعرب ريتشارد آدمز عن اعتقاده أن قوة هذه القصة وعظمتها تنبع من كونها قصة سردها على بناته في السيارة. وقبل أن يعثر آدمز على ناشر كان بدأ في كتابة «شارديك»، وهي حكاية مميزة عن دب جريح يعثر عليه صياد. ويعتقد آدمز أن أفضل عمل من أعماله قد يكون «كلاب الوباء»، والذي يدور حول كلبين يهربان من أنيميا فظيعة.

وبالنسبة لآدمز، فإن الكتابة أخذت تغدو أسهل وأيسر بمرور الوقت وأنه الآن في الرابعة والتسعين من عمره، يعمل يوماً ويستريح يوماً آخر، ولايزال يعلق الآمال على إطلاق كتاب يندرج في أكثر الكتب مبيعاً. وكما نعلم جميعاً فإن الوقت ليس متأخراً قط على الإنجاز والإبداع في حياة الإنسان.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات