نحن.. والهند

ت + ت - الحجم الطبيعي

أي مقارنة بين أي بلد عربي من ناحية، وبين الهند من ناحية أخرى تظهر الفارق الكبير بين الجانبين، رغم أن البدايات في منتصف القرن الماضي كانت متقاربة، بل قد تبدو بعض البلاد العربية في وضع أفضل. لماذا كان ما كان..؟

لا أحد ينكر أن حجم المشكلات في الهند أكبر بكثير من حجمها في أي بلد عربى. تعداد السكان في الهند يفوق تعداد السكان في الوطن العربي كله مرات متعددة، تعداد السكان في الهند يزيد على بليون وربع المليون هندي، الأديان في الهند متعددة ومتنوعة، بعضها أديان سماوية، وهناك أديان كثيرة غير الأديان السماوية، وذلك على حين أن المنطقة العربية يدين أغلبها بدين واحد.

قد يكون الفقر صفة مشتركة بين كثير من الهنود، وكثير من الطبقات الدنيا في البلاد العربية.

والهند رزحت تحت الاستعمار البريطاني لقرون عدة وأغلب بلاد الوطن العربي عاشت في ظل مستعمر أجنبي، وإن تعدد المستعمرون في الوطن العربي بين بريطاني، وفرنسي، وإيطالي، ولكن على الرغم من صعوبة المشكلات في الهند من كل نوع، فإنه يجوز لنا أن نتساءل أين الهند الآن وأين نحن؟

يقيناً فإن الهند حققت تقدماً في كل المجالات العلمية، وحققت أيضاً تقدماً غير منكر في المجالات الاجتماعية والاقتصادية.

ولنبدأ بمشكلة من المشكلات عندنا ولدى الغالبية من الناس البسطاء وهي مشكلة الدين، ماذا حدث عندنا وماذا حدث عندهم؟

قلت إن الأديان هناك بغير حصر، والدين الغالب عندنا دين واحد، ومع ذلك فإن هذا الدين الواحد جعلنا منه أدياناً متعددة، بل أدياناً متحاربة. إن الذي يحدث بين من يطلقون على أنفسهم اسم الشيعة، والذين يطلقون على أنفسهم اسم السنّة يكاد يصل إلى حد الحرب والاقتتال، وكل يسمى قتلاه «شهداء». هذا عندنا أما في الهند- مع تعدد الديانات- فإنك لا تسمع عن شهداء هناك من أي دين، حتى الإسلام، هناك عدد كبير من الهنود المسلمين، ولكن هؤلاء المسلمين الهنود لا يقتتلون، ولا يسقط من بينهم من يسمون «شهداء».

وقد يجوز لي أن أطرح السؤال مرة ثانية: لماذا مع كثرة المشكلات في الهند حدث ما حدث عندهم من تقدم، ولم يحدث عندنا مثله أو ما يقترب منه. وفى الإجابة أقول أولاً ما هو معروف من أن الهند هي أكبر وأفقر ديمقراطية في العالم- ديمقراطية حقيقية، وليست مجرد ديمقراطية شكلية، أو ديمقراطية نصوص، والديمقراطية الحقيقية هي التي نجدها في الهند منذ استقلالها وقيادتها بواسطة نهرو، ومن بعده أنديرا غاندي في ظل فلسفة غاندي، التي تقوم على التسامح والسلم. والديمقراطية الحقيقية تجعل من أهل البلد مواطنين متساويين يتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها. ورغم كل مشكلات الهند فقد استطاعت أن تحقق تقدماً اقتصادياً مذهلاً. يكفي أن نعرف أن متوسط دخل الفرد في الهند يزيد على أربعة آلف دولار.

جمهورية الهند تتكون من 28 ولاية وسبعة أقاليم اتحادية، ولكن يجمعها جميعاً نظام برلماني ديمقراطي حقيقي.

والمحكمة الدستورية في الهند أقوى المؤسسات القانونية في الهند وقد نقول إن لدينا في مصر محكمة دستورية لا تقل قوتها واختصاصاتها عن المحكمة الهندية.

وأما عن التقدم العلمي فحدث ولا حرج. الهند من أكبر الدول المصدرة للبرمجيات ولا تجد بنكاً في العالم إلا يتصدر العمل المحاسبي فيه هندي أو أكثر، وذلك في بريطانيا على وجه الخصوص، وفي كثير من بلاد أوروبا وأميركا.

أظن أنه من حقنا أن نتساءل أين نحن الآن وأين الهند؟ ولا بد أن نشير إلى مدى التقدم الثقافي والفني، الذي تحقق في الهند. وأظن أن كثيرين منا شاهدوا العرض الهندي على مسرح الأوبرا المصرية، وكثيرون شاهدوا أيضاً مهرجان الهند على ضفاف النيل، وتمتعوا جميعاً بهذه الفنون الراقية الجميلة. الديمقراطية، والقيادة الحكيمة، والقيم المستمرة، والإيمان بالعلم هي العوامل الأساسية التي تجيب عن هذا التساؤل أين نحن الآن وأين الهند؟

 

 

طباعة Email