نعرف بالقطع أن إنشاء القوة العربية المشتركة لن يكون عملية سهلة، وأن عراقيل عدة تواجهه وإلا ما تأخر البدء فيه حتى اليوم، لكن هذا لا ينفي أهمية القرار.

لقد كانت هناك تحفظات معلنة لدى الجزائر وتونس، وكانت هناك أطراف مررت القرار بعد أن اطمأنت إلى موافقة "مبدئية"، وأن الحديث الجاد سيأتي بعد أن يجتمع الخبراء ويبدأ البحث في التفاصيل. سيجتمع رؤساء الأركان خلال أسابيع، ورغم أن الجانب العسكري البحت هو الأساسي لتكوين القوة المشتركة، إلا أنه في النهاية يخضع للقرار السياسي بكل الملابسات التي نعرفها.

سيجتمع رؤساء الأركان، وسيكون أمامهم عمل كبير، سواء من حيث توحيد النظم العسكرية (أو على الأقل التنسيق بينها) أو من حيث نوعيات السلاح المتباينة أو اختيار النموذج الذي سيتم تبنيه ، و النموذج الذي يعتمد على إنشاء جيش كامل تشارك فيه كل الدول الموقعة على الاتفاقية ويخضع لقيادة واحدة.

الجانب السياسي هو الأهم، وهنا سنرى توجهات مختلفة سواء في اختيار الحلفاء من القوى الدولية أو الإقليمية، أو في الموقف من القضايا الأساسية بدءاً من مواجهة الإرهاب وحتى التعامل مع القضية الفلسطينية، وإذا كان التحالف ضد الإرهاب في اليمن قد جمع عشر دول تتفاوت قدرتها ومساهماتها في الحملة، فكم دولة عربية ستجتمع في حملة مماثلة ضد الإرهاب في ليبيا أو سوريا والعراق؟

وإذا كان التحالف الداخلي في عدد من الدول العربية يساعدها على الحركة، فماذا عن دول فرقتها الحروب الداخلية وفرقتها الصراعات المذهبية؟

ولا نريد أن نسترسل في طرح مثل هذه التساؤلات، حتى لا يظن القارئ العزيز أننا نعارض هذا القرار المهم أو لا نقدر ضرورته. العكس ــ بالطبع ـ هو الصحيح ليس فقط من باب العاطفة القوية، وإنما أساساً من باب الضرورة ومن أجل الحفاظ على أمن عربي من أخطار لم يعد أحد بعيداً عنها.

لكننا نطرح الأسئلة لندرك أن الطريق لتحقيق ما نريد ليس سهلاً، وأن العقبات كثيرة، وأن على كل منا دور ومسؤولية في النجاح المطلوب، والممكن إذا أحسنت النوايا وإذا امتلكنا الرؤية والإرادة السياسية.

إن صدور قرار إنشاء القوة المشتركة في حد ذاته هو اعتراف من الجميع بحجم المخاطر التي تتعرض لها كل الدول العربية من إرهاب يعصف بالمنطقة، ومن مؤامرات التقسيم، ما سبق تقسيمه من أرض عربية.

ولا يأتي ذلك من فراغ بل من تجربة طويلة تصور فيها البعض أن الأمان يأتي من التبعية لقوة عظمى أو من التحالف مع أطراف إقليمية غير عربية، أو من عقد صفقات مع جماعات مشبوهة، وها هي النتيجة تؤكد ما كنا ننادي على الدوام من أنه لا أمن ولا استقرار إلا في ظل العروبة وها هي السنوات التي أشاع فيها بعضنا أن العروبة خرافة، وعمل فيها بعضنا على شحن الصفوف، وتصور فيها بعضنا أن الأمن والاستقرار ممكن بعيداً عن عروبته، ها هي هذه السنوات تنتهي والكل في مواجهة الخطر من إرهاب يتمدد، وفتنة تشتعل.

وإذا كان من المؤكد أن الصعوبات هائلة أمام تحقيق القوة العربية المشتركة التي ستضم كل أعضاء الجامعة العربية، وأن المؤامرات ستوضع في طريقها، فإن ذلك لا ينفي أهمية القرار . بعد أسابيع سيبدأ رؤساء أركان الحرب عملهم لترجمة قرار قمة شرم الشيخ حول القوة العربية العسكرية إلى واقع، الأهم هو أن نحدد الرؤية الاستراتيجية التي ستحكم عملنا، وأن نتمسك بأن يكون الأمر جاداً وأن يكون التعاون فعّالاً.