الدين.. والمجتمع.. والدولة

ت + ت - الحجم الطبيعي

يدور الفكر السياسي كله حول هذه المحاور الثلاثة ذات العلاقة الوثيقة ببعضها وذات العلاقة الوثيقة أيضاً بتطور الحياة الإنسانية عبر التاريخ الطويل. وقد تطورت هذه العلاقة بين المحاور الثلاثة كل منها والآخر مع تطور الحياة الإنسانية.

ولا شك أن الرغبة في الاعتقاد أو ما سماه أحد الفلاسفة السياسيين «إرادة الاعتقاد» هي رغبة عميقة في النفس البشرية، ذلك أن ما يولده الاعتقاد من يقين في النفس البشرية يعطي النفس الإنسانية شعوراً بالأمان، وقد عبر عن هذا المعنى الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال بقوله:

«إذا الإيمان ضاع فلا أمان»

وهذا صحيح إلى حد كبير. ويفسر بعض علماء الاجتماع زيادة حالات الانتحار في بعض البلاد الاسكندنافية مع توافر كل مقومات الحياة والاحتياجات البشرية بانتحار الإلحاد في هذه البلاد، والبعد عن الدين، وأن هذا الابتعاد عن الدين وعن اليقين الإيماني يولد عند صاحبه قلقاً، ويجعله يحس في أحيان كثيرة بالضياع، ما يدفعه إلى الانتحار.

وإذا كانت هذه الحقيقة – حقيقة العلاقة بين الدين والمجتمع الإنساني – هي حقيقة مؤكدة ومقبولة من غالبية المفكرين الاجتماعيين ومن علماء السياسة، فإنه على العكس من ذلك تثير العلاقة بين الدين والدولة جدلاً طويلاً على مدى التاريخ الإنساني، وصولاً إلى العصر الحديث.

هذا الجدل الطويل يتعلق بسلطة الدولة.

كان أصحاب السلطان في الزمن البعيد «آلهة». حدث ذلك في عهد الأسر المصرية القديمة.

وكان ترعرع الفكر الفلسفي اليوناني ثم ظهور المسيحية، يرفض كلاهما ذلك التكييف غير البشري لطبيعة الحكام. ثم جاء الإسلام بوحدانيته لينفي عن الحكام أي صفة غير بشرية أو أن يضفي عليهم أي قداسة.

لم يكن رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، إلا «بشراً ورسولاً»، وما كان لإنسان من بعده أن يدعي أنه من طبيعة فوق طبيعة البشر.

وهكذا نزلت «سلطة الدولة» من السماء إلى الأرض.

وسلطة الدولة تعني بعبارة أخرى كيف تدار الدولة أو ما هو نظامها السياسي. وفي مقدمة هذا التطور كما قلنا من قبل أن سلطة الدولة أمر بشري وأن سياسة الدولة بمعنى تحديد نظامها السياسي يرجع إلى إرادة الناس، وهذا ما عرف في التطور السياسي بسيادة الشعب.

ويدرك علماء السياسة أن المصادر الأساسية لهذا التطور كانت الفكر اليوناني ثم مجيء المسيحية ودعوتها «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله» ثم الرسالة الخاتمة التي قال صاحبها صلوات الله عليه «وما كنت إلا بشراً ورسولاً».

وهكذا أدى التطور الإنساني والفكري والفلسفي، والذي أسهم فيه فلاسفة مسلمون عظام على رأسهم «ابن رشد»، إلى أن نصل إلى الإمام محمد عبده، والذي أنهى بصفة حاسمة الخلط بين الدين باعتباره يقيناً مطلقاً، والسياسة باعتبارها مصالح بشرية متطورة ومتغيرة. يقول الإمام بوضوح فليس في الإسلام، ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه.

وقد كان هذا الموضوع «موضوع الدولة المدنية في الإسلام» هو محل دراسة شاملة للأستاذ الدكتور عبدالمعطي بيومي، عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، والذي يذهب إلى ضرورة الفصل بين الأمور الدينية والأمور الدنيوية، فالأمور الدينية من العقائد والعبادات وأحوال الأسرة من زواج وطلاق وهي أمور وردت فيها نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فهي من الأمور الدينية التي يجب التسليم بها والوقوف عندها. أما ما يتعلق بأمور الدنيا من السياسة والاقتصاد وإدارة المجتمع والحرب والحرف وغيرها مما لم يأت فيه نص قاطع، فالشأن في إدارتها للعقل الإنساني الذي يتحرى المصلحة العامة.

وليت الذين يتحدثون عن أن الإسلام دين ودولة ويظنون أنهم بذلك يحسنون صنعاً يرجعون إلى ما كتبه الإمام محمد عبده، وإلى ما كتبه قبله ابن رشد وإلى عبقريات العقاد خصوصاً عبقرية عمر، ذلك الحاكم الذي لم تر البشرية كلها مثله، والذي مع ذلك لم يخلط بين الديني والدنيوي.

طباعة Email