مئة عام من عشق مصر

ولدت الفنانة السويسرية التشكيلية مارغو فيون في القاهرة في 19 فبراير 1907، وعلى وجه التحديد في حي العباسية، وتوفيت في القاهرة أيضا عام 2003، وهي ابنة رجل أعمال سويسري وأمها نمساوية الأصل. وكان والدها قد قدم إلى القاهرة في السادسة عشرة من عمره، وكانت محطة أولى له، حيث سافر في وقت لاحق إلى مختلف أرجاء العالم من إيران إلى الصين، ثم عاد إلى مصر، حيث التقى بزوجة المستقبل على متن سفينة واستقر في القاهرة، حيث أسس شركة ناجحة في الاستيراد والتصدير.

انتقلت العائلة من العباسية إلى ميدان التوفيقية، حيث أمضت مارغو سبعة عشر عاماً الأولى من عمرها، ثم انتقلت إلى ضاحية المعادي الحافلة بالأشياء التي كانت جديدة آنذاك، والتي شيد فيها أبوها فيلا، ولم يكن قد بقي أمامه إلا سنوات قلائل للتمتع بثمار الازدهار الذي حققه. وعندما توفي عام 1927، درست مارغو في مدارس عدة بالقاهرة، ثم انتقلت إلى زيورخ في سويسرا.

بعد عامين من وفاة والد مارغو، دعيت لتقاسم مرسم مع صديقة لها في باريس، حيث أقامت حتى عام 1932، وهناك عملت بجد على إبداعها الفني، وهي تتذكر: «تعلمت في باريس الرسم خلال هذا الوقت» وقد تلقت النصح من صديقة روسية تبدع النحت هي سانيا رابينوفتش، وهي تقول في مقابلة أجريت معها: «وصلت إلى باريس مفعمة بالبراءة ولكن بعد 3 سنوات أصبحت الحياة هناك بالغة الصعوبة ولم أعد بريئة، فبادرت بالهرب» وهكذا عادت إلى القاهرة.

بين عامي 1936 و 1962، قامت مارغو بالعديد من الرحلات إلى النوبة وكانت الرحلة الأولى بصحبة الرسام الألماني مارتن سيدال، وقد غادر سيدال مصر عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية في عام 1939، وقامت مارغو برحلات أخرى إلى النوبة بصحبة الرسامة سوزي فيتربوس وخلالها أقامت في سفينة نهرية (ذهبية)، وتم القيام برحلات مارغو التالية مع روث ريششتاين ابنة الفائز بجائزة نوبل في الطب عام 1950. وكانت هذه الرحلة إلى النوبة هي الأخيرة التي تقوم بها فيون في الواقع، حيث اختفت النوبة إلى الأبد تحت مياه السد العالي.

وبلغت ذروتها في رحلة طويلة دامت شهراً ونصف الشهر في أرجاء النوبة والسودان. وقد نشرت مقتطفات من مذكرات مارغو في كتاب بعنوان «النوبة: رسومات وملاحظات وصور» من إصدار مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة. وكانت الموضوعات الرئيسية التي اهتمت بها مارغو هي حفلات الزفاف والموالد والخيول الراقصة والموسيقيين والحداد في مصر.

أمضت مارغو جانبا كبيرا من مسار حياتها الفنية في رصد حركة الحياة اليومية في مصر، حيث قسمت وقتها بين داريها في القاهرة وسويسرا، وطوال معظم أعوامها البالغة 96 عاماً رسمت الحياة في مصر من الشمال إلى الجنوب، ومن الريف إلى مدينتي القاهرة والاسكندرية. وزارت كذلك المدن الأوروبية وبصفة أساسية باريس ولندن، وينظر إليها على أنها شاهد على قرن من التغيير الهائل في مصر وأماكن أخرى. وبالنسبة لها، فإن مصر كانت تستقطب خيالها مذ كانت طفلة.

رسومات مارغو ولوحاتها هي إنجاز عمر بكامله، وهي الأعمال الكاملة لفنانة ظلت صادقة مع نفسها وشقت طريقها في الحياة من خلال الإصرار والثقة في مصير اسمه الفن.

كانت مارغو تشعر بأنها في أسعد لحظاتها عندما تكون في البيت في مرسمها المزدحم على نحو بهيج بالرسومات وسط أشجار المعادي وزهورها، وهذا البيت المرسم ملئ باللوحات والكنوز والرسومات والفخاريات والأعمال الطباعية والاسكتشات التي تتدفق في كل مكان وتتركز في الأركان.

مع وفاة مارغة فيون فقدت مصر واحدة من الحريصين على تسجيل كل ما فيها، وقلائل هم أولئك الذين كان بمقدورهم أن يكونوا مثلها في موضوعيتها.

يمكن اليوم مشاهدة أعمال مارغو في معرض خاص أقامته الجامعة الأميركية في القاهرة لأعمالها، وأيضا في المتاحف في سويسرا وفرنسا.

وقد بيعت أعمال لها في العديد من المزادات على امتداد العالم، وكم كنت سعيداً ومحظوظاً بلقائها في القاهرة في العديد من المناسبات.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات