مع انكشاف زيف الحركات الحزبيَّة، وظهور وجهها الكالح، وزيادة الوعي بانحرافها، وتنبُّه الكثيرين في المجتمعات لخطرها وضررها؛ بدأ كثير من أصحاب هذه الحركات والتوجهات بتغيير خططهم وبرامجهم، وسلوك مسالك جديدة بقصد التمويه والخداع .

وذلك بانتهاج ما يُسمَّى عندهم بسياسة فقه المرحلة، وهو عبارة عن تكتيك استراتيجيٌّ تتبناه هذه التَّيَّارات الحزبيَّة لتحقيق مصالحها بالوسائل والطُّرق التي تتكيَّف مع ظروف المرحلة الزمنية، وذلك وفق رؤية ذرائعيَّة تسوِّغ استخدام مختلف الأساليب والسياسات لبلوغ الغايات التي يريدونها، وهو أمر ينبغي التنبُّه له جيدا، لئلا يجد هؤلاء ثغرات هنا أو هناك يتسللون منها لتنفيذ مخططاتهم والبدء بانطلاقات جديدة لتحقيق ما يريدون.

ولذلك ينبغي علينا أن نتفطَّن إلى أنَّ كثيرا من هذه التَّيَّارات التي انكشف أمرها ستحرص في هذه المرحلة على أن تتلون وتظهر في مظاهر خدَّاعة؛ لئلا تلفظها المجتمعات وتنفر منها من جديد، وقد علَّمنا الواقع والتَّاريخ أنَّهم سلكوا هذا المسلك سنين طوالا، ليتمكَّنوا ويتغلغلوا، ومن خلال الاستقراء والتتبع نلاحظ أن من السِّياسات التي ينتهجها هؤلاء في هذه المرحلة:

أوَّلاً: تأجيل أسلوب المواجهة، وعدم المجاهرة بمخرجاتهم السلبية ما أمكن من تكفير وخروج وغير ذلك، تفاديًا لأيِّ صدام حالي مع الدَّولة وأجهزتها والرَّأي العام ، ولتبديد ردود الأفعال السَّلبيَّة التي تكونت ضدهم في المرحلة السابقة.

ثانيًا: انتهاج سياسة دسِّ السُّمِّ في العسل في نشر الأفكار، والانتقال من أساليب التصريح المباشر إلى الأساليب المبطَّنة من التلميح والتورية والمراوغة عبر كلمات مطَّاطة وعبارات حذرة تمكنّهم من التملص من أي مؤاخذات مستقبلا.

ثالثًا: تحريف مخرجات الإرهاب والتَّطرُّف والغلوِّ ، ومحاولة صرف الأنظار عن أسبابها الحقيقيَّة، لأنَّها تدين أفكارهم. رابعًا: استغلال موضوع الإرهاب لتصفية الحسابات، وإربكات مخرجاته لإلصاق التهم بكل من يقف في طريقهم من علماء أوطلبة علم أومثقفين.

خامسًا: تلميع رموزهم ، والتَّرويج لكتبهم ، ومحاولة تبرئتهم من تهم الإرهاب والتَّطرُّف الثَّابتة عليهم. سادسًا: محاولة تخفيف الضَّغط عن تيَّاراتهم ، وذلك من خلال استغلال كلمات مثل التَّعدُّديَّة والتَّسامح وغير ذلك بوضعها في غير موضعها الصَّحيح.

سابعًا: محاولة تكوين قاعدة شعبيَّة لهم باستغلال وسائل الإعلام خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي ، واتباع أساليب متعددة من فنون الحوار والخطاب لكسب الدَّعم والتَّأييد.

ثامنًا: استغلال مجالات عديدة لترويج أفكارهم غير مجال الخطاب الديني ، من مثل مجالات التَّنمية البشريَّة وتطوير الذَّات والطاقة. تاسعًا: تسليط الضَّوء على بعض القضايا والمشكلات المتعلِّقة بالمجتمع وتضخيمها للتَّحريض ضد الدَّولة بطرق غير مباشرة.

ومن الملاحظ أن من سمات أصحاب فقه المرحلة هؤلاء:

أوَّلا: التلوُّن في الدين، وهو التَّنقُّل بين الأقوال والآراء الدينية بحسب المصالح والغايات الحزبيَّة من دون التقيُّد بالضَّوابط العلميَّة والمعايير الشرعيَّة، وهي صفة ذمَّها العلماء قديما وحديثا، وحذَّروا منها، لما تتضمنه من سلبيات كثيرة، فهي تفتح باب التَّلاعب بالدِّين، وتؤدي إلى نشر الآراء الشاذة، يقول حذيفة رضي الله عنه: «إيَّاك والتَّلوُّن في دين الله، فإنَّ دين الله واحد»، ويقول الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله: «الدَّاء العضال التَّنقُّل في الدِّين».

ثانيا: استحداث آراء في الدين تخالف صحيحه ووسطيته، بهدف تحريف دلالات نصوص الشرع لتتوافق مع أجندات هذه الأحزاب والتنظيمات، وتطويعها للأهواء والمصالح، وقد حذَّر الله من هذا المسلك الذي يؤدي إلى التفرق والاختلاف والتنازع في الدين في نصوص كثيرة، قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}.

ثالثًا: الازدواجية والانتقائية في الكلمات والمواقف ، فتجد المنتمي لهذه الأحزاب والتيارات لا يثبت على كلام ولا على مبدأ ، بل يقول هنا ما ينقضه هناك ، فالتَّناقض سمةٌ من سماته ، وتجده صاحب مواقف مضطربة متأرجحة، وصاحب وجوهٍ متعدِّدة، يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه آخر، فهو يدور في كلماته ومواقفه وتعاملاته مع حزبه وتنظيمه حيث دار.

رابعًا: نشر ثقافة التعصُّب للرأي وتغليب المصالح الحزبية على أي مصلحة أخرى، وذلك تحت مبرِّرات عدة، منها – كما صرَّح به بعضهم - ادعاء أنَّ المصلحة التي ينشدونها مقدَّمة على النص الشرعي، حتى غلا بعض هؤلاء وزعم أن التمسك بالنصوص الشرعية والمحافظة على ما تضمنته من المصالح المعتبرة والضروريات الكبرى والتصدي للمصالح الحزبية الفاسدة التي ينشدونها عبادة وثنية!!

وهذا مسلك في غاية من الخطورة، تفتح الباب على مصاريعه للحزبيين والمتطرفين للتلاعب بالدين، وممارسة قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة) بكل جرأة واستهتار. خامسًا: انتهاج السِّريَّة كخطٍّ خاصٍّ يتم فيه استقطاب الأفراد وتغذيتهم بأجندات هذه الأحزاب والتيارات.

وقد حذَّر العلماء من هذا المسلك الذي لم يُعرف إلا عن التنظيمات الباطنية التي فعلت بالأمة الأفاعيل في مختلف الأعصار، يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيءٍ دون العامَّة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة».

فهذه نبذة يسيرة عن مسالك التنظيمات الحزبية وسياساتها المرحليَّة ذكرتها لنكون منها على حذر ، ونتسلح بالوعي والبصيرة واليقظة التامة ، منتبهين لكل ما يهدد ديننا ووطننا وقيادتنا وأمننا واستقرارنا ووسطيتنا ، والحمد لله رب العالمين.