أدى بروز التنظيمات المتطرفة وتمددها، إلى نشر مفاهيم مغلوطة عن الإسلام، تسيء إلى تعاليمه الناصعة، وتشوه صورته النقية، وقد لعبت هذه التنظيمات دوراً كبيراً في نشر أفكارها بالاستغلال السيئ لأدوات التقنية الحديثة، أتاح لها الفرصة لذلك، وجود مواقع عالمية انتهجت حرية غير منضبطة، سهلت انتشار الإرهاب في العالم، وقد واكب ذلك ظهور أصوات نشاز حاولت أن تستغل وجود هذه التنظيمات للطعن في الثَّوابت والمسلَّمات، حتى وجدنا للأسف من يشكك في السنة النبوية الشريفة، ومن يزدري المذاهب الفقهية، ويطعن في الأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، رحمهم الله، وينسب إليهم التطرف والإرهاب.
إن مثل هذه الأطروحات السلبية التي تتضمن تشويه الدين والتشكيك في مسلَّماته ورموزه، تضع الشباب أمام تحديات عدة، بل تجعل ضعافهم على حافة منحدر، ذلك الذي يستدعي من العقول المستنيرة من علماء ومثقفين وكتَّاب وغيرهم، أن يحسنوا احتواء هذه الفئة بالكلمة الطيبة والمنطق السديد الرشيد، ببيان وسطية الدين، وإظهار حقائقه ومحاسنه، وإزالة التصورات المشوهة عنه، والرد على الشبهات المثارة حوله، وإبراز مفاهيمه الناصعة بأساليب راقية جميلة، ومن صور ذلك، أن نبين الآتي: أولاً: أن الإسلام يدعو إلى العقيدة الصافية النقية التي تربط الإنسان بخالقه وتسمو بروحه وتحرره من ربقة الخرافات والعبودية لغير الله تعالى.
ثانياً: أن الإسلام يدعو إلى العلم النافع بكل أنواعه من علوم دينية ودنيوية، ويحض على دراسة ظواهر الكون والطبيعة، وتسخير ما فيها من مواد وطاقات ليستفيد منها البشر في حياتهم، ويرتقوا بواقعهم ويشكروا نعم الله عليهم.
قال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، أي سخر ذلك لمنافعكم ومصالحكم، ولذلك، فقد استطاع المسلمون، وفي فترة زمنية قصيرة، أن يبنوا حضارة عظيمة عريقة مزدهرة، استمرت قروناً طوالاً، وعندما كانت أوروبا تعيش عصور الظلام في القرون الوسطى، كان المسلمون قد برعوا في شتى العلوم والمخترعات والاكتشافات، وقد هطلت هذه الإنجازات على أوربا، كما تقول المستشرقة الألمانية د. زيغريد هونكه، كالغيث على الأرض الميتة، فكانت سبباً لإيقاظها من سبات عميق.
ثالثاً: أن الإسلام يدعو إلى تسخير العقل، واحترام منطق الحجج والبراهين والتسليم لها، فهو دين حجة وإقناع وسمو في المنطق والتفكير، قال تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}، ولذلك نجد أن القرآن الكريم حافل بمناقشة أفكار وممارسات منحرفة عديدة بالحجة الناصعة والبرهان الساطع، الذي خاطب به العقول ودعاها إلى إعمال الفكر والنظر والتسليم بمقتضى العقل السليم.
رابعاً: أن الإسلام يرسخ القيم المثلى والمبادئ العليا، فهو يدعو إلى الحلم والصبر، قال تعالى: {اصبر على ما يقولون}، ويحث على العفو والصفح، قال تعالى: {وأن تعفو أقرب للتقوى}، ويرغِّب في مقابلة الإساءة بالإحسان، قال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن}، ويحث على مبدأ الإحسان والفضل، قال تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم حافلة بأرقى وأعظم المواقف الإنسانية في التعامل مع الناس.
خامساً: أن الإسلام جاء لحفظ حقوق الإنسان وكرامته، وتحقيق مبدأ العدل بين الناس في جميع المعاملات، قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}، أي: ليتعاملوا بينهم بالعدل، ولذلك، حرم الإسلام الظلم، وحذر منه أشد التحذير، وأمر بالعدل في جميع الأحوال مع الصديق والعدو والقريب والبعيد والموافق والمخالف، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}.
سادساً: أن الإسلام دين تآلف وتكاتف ومحبة ووئام، ولا أدل على ذلك، من أنه استطاع في مدة وجيزة قصيرة أن يجمع بين أمم شتى متباينة، وطوائف كثيرة متعادية، لينزع من صدروهم الغل والأحقاد، ويجمعهم على كلمة واحدة سواء، متآلفة قلوبهم، متوحدة أرواحهم، إخواناً متحابين، يؤثِر بعضهم بعضاً، ويعين بعضهم بعضاً، حتى ملؤوا الأرض خيراً وعدلاً ورحمة
. سابعاً: أن الإسلام دين تسامح وسلام، فهو ينبذ العنف والتطرف والإرهاب، ويدعو إلى التعايش السلمي، وقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم، مبادئ التعايش السلمي، عندما هاجر إلى المدينة، وأمر بحقن دماء أهلها وحفظ حقوقهم، وهكذا أيضاً، عندما فتح صلى الله عليه وسلم مكة، عفا عن أهلها، رغم ما لاقاه منهم من ظلم واعتداء، في صورة من أرقى صور التسامح، ما جعل أهل مكة يدخلون في هذا الدين العظيم أفواجاً، ولذلك تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: «لقد لعب التسامح العربي دوراً حاسماً في انتشار الإسلام، وذلك على العكس تماماً من الزعم القائل بأنه قد انتشر بالنار والسيف».
وأخيراً، فهذه نبذة يسيرة من رقي الإسلام وسماحته، ضمن صور كثيرة يجدر طرحها وتسليط الضوء عليها، لتوعية الشباب بحقيقة دينهم، وتنبيههم إلى مساوئ التنظيمات الإرهابية ومناقضتها لتعاليم هذا الدين الحنيف، فضلاً عن تشويهه.