واحة الجمال والغموض

تعد واحة سيوة مرادفاً لسياحة النخبة، حيث يتدفق السياح الأثرياء والعاديون على حد سواء من جميع أرجاء العالم إليها، وقد كانت سيوة بجمالها الأخاذ والفريد وطبيعتها الصحراوية المذهلة حتى وقت قريب أكثر واحات مصر غموضاً وأشدها فتنة أيضاً.

تقع سيوة بين منخفض القطارة وبحر الرمل المصري الممتد وصولاً إلى الصحراء الليبية، وأن شئت الدقة فهي تقع على بعد 540 كيلومتراً من الحدود الليبية و560 كيلومتراً من القاهرة.

وتعد بساتين النخيل وأشجار الزيتون والبحيرات المالحة والهدايا المنحوتة من حجر الجير وبحيرات المياه العذبة جزءاً لا يتجزأ من المشهد الطبيعي في سيوة. ومعظم السكان يقيمون بجوار المدينة قريباً من الينابيع الحارة وبساتين النخيل والزيتون، أما بقية السكان فيقيمون في قرى متناثرة في المنطقة.

وفي الأزمنة القديمة كانت سيوة تسمى «سيخت-آم» بمعنى «أرض النخيل»، وقد أشار الإغريق والاسكندر الأكبر إلى هذه الواحة باعتبارها «زيوس أمون».

وفي القرن الرابع عشر، أتى المؤرخ العربي الشهير ابن خلدون على ذكر سكان سيوة من البربر، وفي القرن الخامس عشر دعاها المؤرخ العربي المقريزي باسم «سنتريا»، وكانت تحيط بها آنذاك الينابيع وبساتين النخيل وأشجار التين والزيتون وغيرها من الأشجار المثمرة.

وأشار على نحو غريب إلى أن سكانها كانوا يعانون كثيراً من الجن، ووصف هؤلاء السكان بأنهم من البربر الذين يتحدثون لغة يقال لها: «السيوية».

وبحلول القرن السابع عشر، كان استخدام الاسم الحالي الذي يطلق على سيوة قد غدا أمراً مقبولاً. ويعرف البربر بأنهم قوم يحرصون على خصوصيتهم واستقلالهم ويقاومون السلطة، وقد كانوا ولا يزالون من البدو القاطنين الرحل والمزارعين المستقلين.

وكما هو معروف، فإن البربر هم من أبناء شمال إفريقيا الأصليين، وهم ينتشرون في مناطق هائلة الامتداد من المغرب إلى سيوة.

وفي العصور الكلاسيكية، كانت سيوة معروفة جيداً لدى الإغريق الذين وصلوا إلى مصر وأسسوا مستوطنات تجارية في دلتا النيل وشرقي أوروبا باعتبارها محطات على الطرق التجارية إلى وادي النيل وعبر الصحراء.

وقد ارتحل الاسكندر الأكبر إلى سيوة براً في عام 332 ق م لزيارة عراف أمون رع الشهيرة، وقد وصف بعض المؤرخين كيف أنه في فناء المعبد حمل الكهنة أيقونة أمون رع عالياً في زورق مطلي بالذهب لكي يتمكن الاسكندر من التأكد من أنه حقاً ابن هذا الإله.

وبعد موت الاسكندر الأكبر، استمرت العرافة في التمتع بالنفوذ في ظل حكم البطالمة وذلك على الرغم من أن مكانتها قد تراجعت في ظل هيمنة الرومان على مصر التي أعقبت وفاة كليوبترا، كما هو معروف.

ومن المعتقد أن كليوبترا السابعة قد زارت واحة سيوة لاستشارة العرافة وربما للاستحمام في النبع الذي يحمل اسمها الآن.

خلال العهد الروماني، نقل القيصر أوغست بعض الأسرى السياسيين إلى سيوة.

ليس هناك سجل يوضح متى اعتنق أبناء سيوة الإسلام، ولكن من المعتقد أن ذلك قد حدث قبل نهاية القرن السابع، وقد كتب العالم الجيوغرافي العرب الإدريسي في القرن الثاني عشر يقول إن آباء سنترية (سيوة) هم من المسلمين ولهم إمام يؤمهم في الصلاة، وحتى القرن الثامن عشر ظلت سيوة مكاناً نائياً للغاية من ولاية مصر العثمانية التي تعترف بسلطة الخليفة، ولكنها تظل مجتمعاً شبه مستقل.

والآن، تم شق طريق إسفلتي في عام 1980، وكانت الصلات الوحيدة التي تربط الواحة بالعالم الخارجي هي عبر الطرق التي تقطعها الإبل، وكنتيجة لذلك، طورت سيوة ثقافة فريدة تتجلى في إبداعاتها اليدوية للفضة والحلي والفخار والمنسوجات اليدوية الشهيرة التي تلقى إقبالاً كبيراً اليوم لدى مصممي الأزياء الأوروبيين.

وتحرص النساء على التزين بالحلي الفضية في حفلات الزفاف وغيرها من الاحتفالات الاجتماعية. تقع مدينة سيوة الحديثة وسط بساتين نخيل كثيفة وحدائق تحفها الأسوار وبساتين زيتون والعديد من ينابيع الماء العذبة والبحيرات المالحة، وتطل فيها أطلال مدينة شالي الحصينة القديمة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات