بيت الحكمة ... وتداول الحضارات

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يستطيع أحد أن ينكر أن أمتنا العربية تعيش في هذه الأيام فترة ليست من أزهى فتراتها حتى وإن حققت بعض أقطارها ثراء كبيراً وحققت بعض أقطارها أيضاً بعضاً من التقدم والرقي.

لا أحد ينكر أن صورة مجلس الشورى الجديد في المملكة العربية السعودية تحمل معنى من معاني التقدم . ولكن الصورة الغالبة على أغلب أنحاء الوطن العربي – هي صورة محزنة وفي الجملة كئيبة. لقد تخلفنا في وقت تقدم فيه العالم .

أصبحنا أو أصبح أغلبنا يعيش عالة على العالم المتحضر في كل شيء . في غذائه وفي علمه الذي يحصله وفي سلاحه الذي يحتمي به. هل نستطيع أن نقارن بين قطر من أقطارنا وبين ماليزيا أو تركيا أو اليابان فضلاً عن بلدان أوروبا والأميركتين.

يدفعني إلى كتابة هذا المقال عن تداول الحضارات كتاب كتبه باحث غربي هو الأستاذ/ جوناثان ليونز بعنوان « The house of wisdom » عن بيت الحكمة الذي أنشأه الخليفة العباسي المستنير « المأمون » في القرن التاسع الميلادي – الثالث الهجري – وقد صدّر جوناثان كتابه عن بيت الحكمة بالعبارة الآتية : « كيف أسس العرب لحضارة الغرب ».

وفي هذا الكتاب الرائع الموضوعي يتكلم جوناثان عن كثير من العلماء الأوربيين الذي نقلوا المعرفة والعلم العربي الذي كانت تحتضنه دار الحكمة في بغداد إلى أوروبا وفي مقدمة هؤلاء العلماء « اديلارد أوف باث Adelard of bath » الذي نقل إلى الغرب في العصور الوسطى روائع علم الهندسة وعلم الفلك وعلم النجوم وغيرها من حقول المعرفة.

وكان اديلارد هذا طالب علم بريطاني وكان متعطشاً للعلم والمعرفة ولم يجد ما يروى ظمأه إلى هذه المعرفة كما يقول جوناثان نفسه إلا أن يرحل إلى بلاد العرب ليستحوذ على قوة المعرفة العربية وليعود إلى بلاده لينقل إليها ما حصّله من علم ومعرفة « عربية » ليساعد على تغيير عالمه الغربي إلى الأبد.

لقد عادت قوة العلم العربي التي كان «اديلارد» بطلها تكوين المشهد الثقافي الأوروبي وبقى أثرها إلى القرن السادس عشر وما بعده وهي التي شكلت الأسس العلمية التي أقام عليها كوبر ينوكس وجاليليو أعمالهما العلمية ذائعة الصيت والتي لا يعرف أحد الآن أنها مستقاة أصلاً من الحضارة العربية الإسلامية.

وخلال هذه الفترة من العصور الوسطى – المظلمة في أوروبا المضيئة في بلاد العرب والإسلام – كان في استطاعة العلماء والدارسين من كل الفئات والبلاد أن يجوبوا الآفاق ويتبادلوا الحوارات والمناقشات باللغة العربية التي كانت في ذلك الوقت لغة عالمية.

سبحان مغيّر الأحوال .. !! .

ليس هذا فحسب بل شهدت هذه الفترة الرائعة في حياة العرب والمسلمين نوعاً من التسامح لم تعرفه البشرية من قبل وأوشك أن أقول ومن بعد إذ كان المسلمون والنصارى واليهود والمجوس والصابئة – عبدة النجوم – قادرين على تبادل الأفكار والحوار.

ومما يروى عن مجالس بغداد في تلك الفترة أن جلسات وموائد مسائية كانت تجمع بين هؤلاء جميعاً يتسامرون ويستمعون إلى الجواري يغنين ويطربن الجالسين ثم يتفرق جمعهم بعد ذلك كل إلى حال سبيله. إلى هذا المدى كان التسامح.

لم تكن بغداد وبيت الحكمة وحدها هي مصدر الاشعاع المدني والحضاري إلى بلدان أوروبا بل إن الأندلس على عهد الأمويين الذي هربوا من الثأر العباسي إلى جنوب أسبانيا حيث أسسوا خلافة عربية كان أول خلفائها هو الأمير عبد الرحمن الأموي. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن المفكر العربي الكبير ابن رشد كان واحداً من الأفذاذ الذين أشاعوا الثقافة العقلية والعلمية في الغرب ثم في الأندلس ومنها إلى ربوع أوروبا.

ومما يروى وله دلالة كبيرة على ما نقوله من أن الحضارة الإسلامية ساهمت في نهضة البشرية كلها وبخاصة شعوب أوروبا أنه في بداية القرن الخامس الهجري – الحادي عشر الميلادي – أرسل الملك جورج الثاني ملك إنجلترا والسويد والنرويج إلى ملك المسلمين الخليفة الأموي هشام الجليل يقول له فيها « .. بعد التعظيم والتوقير لقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الضافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية في اقتفاء أثركم في نشر أمور العلم في بلادنا معترفاً بالجهل المحيط بها من أركانها العربية.

ومرة ثالثة يا سبحان الله.

ومن أراد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الأندلس فليرجع إلى السفر الضخم الذي ألفه كاتب غربي « Joseph Aschbach » . وترجمه في جزءين كبيرين الأستاذ/ محمد عبد الله عنان تحت مظلة المركز القومي للترجمة يوم كان يشرف عليه الصديق العزيز الدكتور / جابر عصفور.

هل بعد ذلك كله دليل على أن الحضارة والعلم ليس بينها وبين العرب والمسلمين عداء أصيل؟!

 

طباعة Email