طائفة المماليك

صدر أخيراً، عن دار سوي الباريسية كتاب من تأليف المؤرخ الفرنسي جوليان لوازوه بعنوان المماليك وهذا الكتاب يشكل مناسبة نطل من خلالها على تاريخ المماليك وحكمهم.

كان المماليك طائفة حاكمة خرجت للحياة العامة متجاوزة قيد الرق، وهم لم يكونوا من أصول مصرية ، وفي العديد من الحالات، لم يكونوا يتحدثون اللغة العربية، وإنما تم جلبهم إلى مصر وهم صغار يرصفون في قيد الرق في عمر لا يتجاوز السابعة أؤ الثامنة عادة من القوقاز أو آسيا الوسطى وكانوا يربون كجزء من مجموعة حاكمة منفصلة ويقيمون في دور كبار الأمراء.

وعلى رأس هذا النظام كان بلاط السلطان الذي يتألف من مجموعة داخلية من أمراء المماليك.

ربما كان المماليك أرقاء سابقين، ولكنهم كانوا في المقام الأول جنودا، وقد أتاحوا نوعية من الاستقرار على الصعيدين الاقتصادي والسياسي يمكن للتجارة والحضارة أن تزدهر في ظلهم.

وقد شيد جانب كبير من العمارة الإسلامية الرائعة التي نجدها اليوم في شوارع القاهرة خلال العصر المملوكي، ولاتزال المدينة المملوكية شامخة إذا أحصى المرء المساجد والمدارس والمجمعات المعمارية الأخرى التي تمتد في شوارع القاهرة العتيقة.

لقد منح المماليك اسمهم لأسلوب في العمارة الإسلامية وصل إلى ذروته في مدرسة السلطان حسن ومسجده اللذين شيدهما السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون (حوالي عام 1347) ، أو مدرسة ومستشفى وضريح قلاوون الذي شيد في نهاية القرن 13. وهو لايزال يطل على المدينة العتيقة حتى اليوم.

كان المماليك أيضا رعاة للفنون ، وارتبطت مهارات عديدة بالفن الإسلامي في عهدهم ووصلت إلى مستوى رفيع من النضج في ذلك العصر.

بدأ الحكم المملوكي في مصر بطريقة فريدة خلال أيام احتضار السلطنة الأيوبية في منتصف القرن 13، فعقب وفاة السلطان الصالح أيوب نصبت أرملته أم خليل المستعصمية التي اشتهرت بلقب شجرة الدر، سلطانة بدعم من مجموعة من المماليك، الأمر الذي يجعلها المرأة الوحيدة التي شغلت هذا المنصب في التاريخ الإسلامي.

غير أن هذا لم يكن أمراً مقبولاً على الصعيد السياسي، وبعد عدة مؤامرات خاضت غمارها جماعات متنافسة، ارتقى المؤسس الحقيقي للسلطنة المملوكية وهو السلطان الظاهر بيبرس سدة العرش في عام 1260، وبدأ حكمه بانتصار على المغول في موقعة عين جالوت في الشام.

ويقال لنا أن الظاهر بيبرس كان المؤسس الحقيقي لهذه السلطنة الفريدة، حيث أسس البنية السياسية والمؤسسات في النظام الجديد الذي سيقدر له أن يشهد تنصيب 50 سلطانا، ولم يمت ميتة طبيعية من هؤلاء إلا 13 سلطانا فقط.

 وفيما يتعلق بنظام المماليك، فإن الخلفاء العباسيين في بغداد قد اعتمدوا على الجنود الأتراك الأرقاء، وقد تحرك الظاهر بيبرس بنشاط بجلب المزيد من الأرقاء لضمان استمرارية النظام الجديد.

في البداية، كان معظم هؤلاء الأرقاء يجلبون من آسيا الوسطى، وفي وقت لاحق تم جلب أرقاء آخرين من بلاد القوقاز، وأرسلت أكثر من 70 سفارة إلى الامبراطور البيزنطي في القسطنطينية لضمان أن يظل طريق البحر الأسود المستخدم لجلب الأرقاء مفتوحاً.

ويقال لنا إن الأرقاء كانوا يصلون إلى القاهرة على يد التجار الجنويين، وكان ثمن الرقيق يتباين بشكل كبير بحسب أعمارهم وأصلهم وحالة السوق في ذلك الوقت.

كانت دار المملوك البارز تضم ما بين 100-200 من الرقيق، وكانت الثروة يمكن أن تقاس بعدد المماليك الذين يمتلكهم الأمير، وفي بعض الأحيان كان الأمير يربي المماليك مع أبنائه، وذلك على الرغم من أنهم كانوا عادة يقيمون في مبان أقرب إلى الثكنات في القلعة أو في أماكن ملحقة بقصور المماليك الكبيرة. وعلى أي حال فإن الأمير كان يتحمل المسؤولية القانونية عنهم.

كانت وفاة أمير بالنسبة لمماليكه شيئاً كارثياً كوفاة أب، بما أنهم لم يكونوا يعرفون عائلة أخرى لهم، ولم يكونوا يحملون ذكريات لعائلاتهم الطبيعية التي انحدروا منها. تركت الحضارة المملوكية لنا مباني القاهرة الإسلامية العريقة المشيدة بأسلوب عرف تقليديا باسم الأسلوب المملوكي الجديد، والذي ساهم في إضفاء الفخامة والعراقة على مصر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات