بين الدين والسياسة جملة من التناقضات والمعضلات التي تستعصى على التوفيق والحل، الأول لا يخضع للتغير في مبادئه أما الثانية فهي تخضع لقانون التغير .

كل من الدين والسياسة ينتميان إلى مجالات مختلفة ولا تلتقي إلا في عرف الطامعين في السلطة الذين يستخدمون الدين من أجل التحكم في رقاب العباد، فمجال الدين هو الفاعلية الروحية والأخلاقية التي تشكل ضمير ووجدان الإنسان، بينما أن الثانية مجالها تنظيم المجال العام بين الأفراد والمواطنين وتطبيق القانون بغرض تلبية حاجة الجماعة البشرية للأمن والاطمئنان والاستقرار وإعمار الأرض.

خلط الدين بالسياسة يفسد كليهما، فهذا الخلط سينتزع الدين من سياقه ليقذف به في خضم السياسة بآلياتها ودينامياتها وتغيراتها، كما أن السياسة عندما تختلط بالدين ستكسب نفسها قداسة هي غريبة عنها، وتحول دون مناقشتها ومعارضتها ونقدها وطرح تصورات بديلة لها، نظرا لأن الدين سينتزع السياسة من سياقها الدنيوي والإنساني الذي يخضع للجدل والنقاش والاختلاف والمعارضة.

الخبرة التاريخية في الغرب والشرق تؤكد مفاسد خلط الدين بالسياسة وانعكاس هذه المفاسد على أوضاع الناس والسلطة والحكم، ففي أوروبا في العصور الوسيطة لم يكتف الكهنوت والبابوية بتملك السلطة الدينية وإنما حاولا التأثير على السلطة الزمنية والدنيوية.

لم يكن الهدف من فصل الدين عن السياسة إزاحة الدين والمعتقدات الدينية بل تحديد مجال السلطة الدينية وفاعليتها التي تقتصر على الشأن الديني والروحي، أما الشأن الدنيوي والزمني فهو شأن المواطنين الأحرار عبر العقد الاجتماعي واختيار من يمثلونهم في المجالس التمثيلية، أما في الشرق الإسلامي .

فقد تكفلت السلطة السياسية التي استخدمت الدين وتمذهبت بملاحقة المعارضين والمخالفين ومحاكمتهم وقتلهم ومصادرة آرائهم، والمفارقة أن ممارسات تنظيم «داعش» تستلهم تلك التقاليد في الحرق والقتل والذبح ويضفي عليها بعض التقنيات الحديثة..

وجميع هذه الممارسات الهمجية والبدائية والبربرية ترتكب باسم الإسلام، في حين أن الإسلام منها براء، فهي ترتبط ببعض الفرق والملل التي لا تمثل التوجه الرئيسي والسائد في الفكر والحضارة الإسلامية. خلط الدين بالسياسة والمطالبة بالدولة الدينية والحكم بالشريعة وبما أنزل الله، هي مطالب الفكر الإخواني الباحث عن السلطة والحكم وإحياء الخلافة الإسلامية ..

ويتضمن ذلك تجريم القانون الوضعي والحداثة والتغريب والعصرنة والعلمانية، فجميع تلك الصيغ السياسية والفكرية هي صيغ تخرج عن إطار الحكم بالشريعة، ووفق ما أنزل الله، ومن ثم فهي مؤثمة، ونتاج مؤامرات تحاك ضد الإسلام والمسلمين.

في مصر يحتاج إصلاح الخطاب الديني الحالي إلى نظرة معمقة لطبيعته وأهدافه والوسائل التي يستخدمها والمصادر التي يستقي منها مقولاته وأفكاره، فباستثناء القرآن والسنة النبوية الشريفة، واللذان هما مصدران متعاليان ومتساميان يجب النظر في العديد من التفسيرات والاجتهادات والأمور الفقهية التي كانت بنت زمانها وعصرها وظروفها ولم تعد تلائم العصر ولا مصالح الجماعة الإسلامية المعاصرة..

أو مصالح المواطنين عامة بالإضافة إلى ذلك فتح باب الاجتهاد والابتكار لبلورة رؤى أخرى تستشرف مقاصد الشريعة ومصالح العباد على ضوء التغير المعاصر الكوني والعالمي، وأن تستهدف هذه الرؤى رفع الأذى عن المسلمين، إن في عقر دارهم وإن في البلدان التي يقيمون فيها، ويلجأون إليها..

ولن يتأتى ذلك إلا مع استنهاض العقل والتفكير والتدبر ورفض المألوف من التفاسير والممارسات التي تسوغ تشويه الإسلام والمسلمين وتؤكد الصور النمطية السلبية التي رسمها الإعلام الغربي، كسر هذه الدائرة الشريرة التي يعاني منها المسلمون بسبب تلك القلة من الذين انحرفوا وأخضعوا النصوص لأهوائهم وأغراضهم وأمراضهم النفسية المستعصية على العلاج، بل ونحوا النصوص جانبا واستعانوا بالفتاوى والتحريم وفق أهوائهم وأغراضهم.

هو هدف أي إصلاح ديني وأي خطاب ديني جديد، يعتمد على العقل لا النقل، والاجتهاد والابتكار وليس القياس والركون إلى تلك النصوص الفقهية البشرية التي واكبت زمانها ولم تعد ملائمة لعصرنا، باختصار فإن هدف الخطاب الديني الجديد هو استعادة الإسلام من خاطفيه أي من تلك الجماعات الإرهابية وجماعات الفتوى والتحريم التي ترتبط بها وتقوم بأعمال الفتاوى وفق أهوائها ومصالحها.