تختلف وجهات النظر حول تقييم حصاد ثورات الربيع العربي بين الباحثين والكتاب والمفكرين، بدءاً من الحكم على ما إذا كانت هذه الثورات هي بالفعل ثورات أم أنها مجرد انتفاضات وهبات شعبية وانتهاءً بالحكم بفشلها أو بنجاحها، ولهؤلاء وأولئك أسبابهم وحججهم التي يصدرون انطلاقاً منها هذه الأحكام، وفي تقديري أنه قد يكون من المبكر إجراء تقييم حاسم لمسار هذه الثورات أو الانتفاضات، ذلك أن الحكم على مسار الثورات وتحديد مواقعها من النجاح والفشل يتطلب مضي فترة من الزمن تسمح بالتقييم.

يمكن القول ان هذه الثورات فتحت صفحة جديدة في وعي المواطنين والنخب والساسة من جميع الاتجاهات ومختلف الأطياف السياسية والفكرية، تتمثل هذه الصفحة في النظر بعين الاعتبار إلى مسؤولية الأوضاع الداخلية وشكل الحكم وأدواته وطبيعة القمع والاستبداد والفساد ودورهما في تخريب الدولة.

منذ عقود طويلة مضت، دأبت الدوائر والنظم الحاكمة ومعها النخب المختلفة وكذلك الإعلام الموجه وغيره من الأدوات والأجهزة الاقتصادية والسياسية، على تحميل الخارج والقوى الخارجية والاستعمارية والغربية مسؤولية ما آلت إليه أوضاعنا، فضلاً عن أن هذه القوى هي التي صنعت النظام الدولي الحالي اقتصادياً وسياسياً عقب انتصارها في الحرب العالمية الثانية، وهو النظام الذي لم ينصف العالم العربي أو الدول المتخلفة.

والحال أن النظم الحاكمة قبل ثورات الربيع العربي لجأت إلى هذا الخطاب للتغطية على عيوبها واستهدفت من جراء استخدام هذا الخطاب تغييب مسؤوليتها الاجتماعية والسياسية في الوصول بأوضاعنا إلى هذا المستوى، وكذلك مداراة سوء القرارات المتعلقة بتوزيع الموارد والتنمية الاقتصادية واحترام حقوق الإنسان والتعددية وتدعيم دولة سيادة القانون وبناء المواطنة الحقيقية التي تستوجب حقوقاً واضحة وواجبات محددة.

واستهدف هذا الخطاب توجيه أنظار الرأي العام والمواطنين إلى الخارج، بعيداً عن النخب الحاكمة والفئات المتنفذة في المجتمع والمسؤولة عن الاحتقان والاستقطاب الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء ومصادرة تداول السلطة وسيادة القمع والاستبداد.

وهذا الخطاب هو في الواقع يستند إلى مقولة حق يراد بها باطل، حيث لا يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل دور القوى الخارجية والغربية والاستعمارية في تعطيل تطور المجتمعات والدول العربية والضغوط التي مارستها والصهيونية وإسرائيل التي زرعوها في قلب العالم العربي، بيد أن هذا الدور وتلك المسؤولية الغربية عن تخلفنا وتدهورنا، لا ينفي بحال مسؤولية النظم السياسية والنخب التي تصدرت المشهد السياسي في العديد من الدول العربية قبل إرهاصات الربيع، فهذه النخب دأبت على الاستئثار بالقرار الاقتصادي والسياسي واختصت نفسها بالنصيب الأكبر من الثروة والامتيازات العينية والعقارية..

وتجاهلت بوعي قيم العدل الاجتماعي وضرورة العدل للاستقرار والتوازن، وحقرت تطلعات المواطنين إلى الديمقراطية والتعددية والحرية بدعوى غياب الثقافة الديمقراطية وبدعوى الخصوصية الثقافية..

وكما لو كانت هذه الخصوصية تحول دون تمتع المواطنين بالديمقراطية والحرية وتمنع اندماج هؤلاء المواطنين في الصيرورة الديمقراطية والتعددية العالمية التي أخذت تشق مجراها في معظم دول العالم بخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق والبلدان الاشتراكية واتجاههما نحو اقتصاد السوق والديمقراطية في مواجهة ذلك الخطاب المسيطر على المشهد السياسي قبل ثورات الربيع العربي، بلورت الثورات والانتفاضات العربية خطاباً بديلاً يتمحور حول مسؤولية النظم عن سوء أوضاعنا وأن هذه الأوضاع تتفاقم وتتزايد سوءاً مع استمرار تحكم وسيطرة هذه النخب في رقاب البلاد والعباد، وأن التغيير المأمول في هذه الأوضاع يرتهن بتغيير النخب الحاكمة وإسقاط النظم التي تدعمها وإغلاق منافذ الفساد والاستبداد والظلم الاجتماعي..

لقد أخذ هذا الخطاب الجديد الذي رافق وقائع هذه الثورات في التسلل إلى وعي المواطنين وعقولهم بحيث إنهم باتوا يدركون أنه لا ينبغي عليهم الانتظار حتى تتغير أوضاعهم من تلقاء نفسها بل عليهم أن يأخذوا مصيرهم بأيديهم وأن يقرروا ذلك المصير بأنفسهم وأن الأوضاع القائمة والمتدهورة ليست قدراً لا فكاك منه بل هي نتاج أوضاع اجتماعية وسياسية يمكن تغييرها وقابلة للتغيير متى توفرت الإرادة الجماعية على أحداث هذا التغيير الذي بدأ بخطوة ستتلوها خطوات.